لماذا نحب مصر؟

لماذا يا اخي كل هذا الحب الذي نكنه نحن العرب لمصر؟  أهو لأنه خرج منها عبد الناصر سياسيا؟  ام لأنه خرج منها فنياً عبد الوهاب وخرجت منها ام كلثوم وماري منيب وخرج منها ثقافياً في زمن الإبداع العربي احمد شوقي وطه حسين وتوفيق الحكيم وجورج ابيض وبيرم التونسي والخال عبد الرحمن الأبنودي؟  ام هل يا ترى أحببناها من اجل شارع الهرم وكباريهات شارع الهرم والتي كنّا نغزوها – كعرب – بشراسة مفرغين في ذلك الشارع كل رغباتنا التي كانت، ولا تزال، مكبوتة في دولنا العربية؟  ولكن ربما هو لأن كان بين كل مائة مدرس في مدارسنا يوجد أكثر من تسعين مدرس مصري؟  تشدني أيضاً مسألة ان هذا الحب لمصر تولد لدينا بسبب الغزو السينمائي والذي مارسته علينا مصر دون هوادة خلال الثمانون عاماً المنصرمة؟ لا أستطيع ان اترك قاطرة الأسباب دون ان اذكر ان ربما هذا الحب تولد لدينا لأنها الدولة الوحيدة في عالمنا العربي التي صنعت لمنطقتنا العربية تاريخاً لم تستطع تحقيقه لا ثروات النفط ولا حتى ثورات راح ضحيتها أكثر من مليون شهيد.

 

ليس عبئاً علينا هذا الحب، بل نحن نزهو به ونبلّغ به حباً ربما في حقيقة داخلنا كنّا نتمنى ان نحبه لأوطاننا الأصلية.  وليس عيباً علينا أيضاً هذا الحب، دعونا لا ننسى ان ما قبل الحدود التي مزقتنا وحولتنا الى دويلات كنّا جسداً واحداً، فكيف تلوم قلبي على حب كبدي.

 

ورغم هذا الحب المفرط لمصر الا اننا نغار منها لدرجة تصل بِنَا الى الحنق عليها.  نعم، نحن نغار من نجاحات مصر وحال ألسنتنا على الدوام قائل لماذا لم نقم بهذا العمل او نبدع هذا الإبداع قبل مصر؟ تصوروا اننا نغار حتى من إخفاقات مصر وفشل مصر، لأنها تحاول وبضخامة حتى وان كان الاخفاق والفشل هو مصير تلك المحاولة. نحن نغار من مجرد المحاولة لأننا غير قادرين على المحاولة كما تحاول مصر.  اما نجاحاتنا فلو دققت النظر، فيال العجب ستجد هناك في هذا النجاح مهندس مصري او محاسب مصري او مستشار مصري او حتى موظف او عامل مصري ما ساهم في هذا النجاح من قريب او من بعيد.

 

نعم، هناك دول عربية كسوريا والعراق وكذلك لبنان حاولت ولا تزال تحاول اللحاق بما سبقتهم اليه مصر. محاولات لاهثة مستميتة لتقريب المسافة الزمنية بينها وبين مصر ثقافياً وسياسياً وهي فترة زمنية تتجاوز الخمسون عاماً من الثقافة والفنون والسياسة الا ان الاخفاق الذريع في اللحاق بركب مصر يجعل من محاولات جميع الدول العربية بمثابة محاولات صبيانية بحاجة الى سنين من النضوج.  ولا عجب ان مصر اليوم هي ملاذ أهل الفن والأدب من مختلف الدول العربية، حتى ما قبل اشتعال الأحداث في بلدانهم، فإذا أردت الانتشار فنياً فعليك الذهاب الى مصر وإذا أردت الانتشار أدبياً فإن عليك الذهاب الى مصر، وحتى سياسياً إذا أردت ان يكون لقضيتك السياسية اي زخم دولي فإن عليك ان تحتضنك مصر وان تتطلق من مصر وكما نشاهد كم هي تعاني القضية الفلسطينية اليوم بسبب تقلص الاحتضان المصري للقضية الفلسطينية!

 

 

 

ومن شدة حبنا لمصر، اعطينا لأنفسنا الحق في الحديث عن الهم المصري.  أصبح كل ما يؤلم مصر يؤلمنا وكل ما يسعدها يسعدنا، بل أنك تجد ان الفرد العربي يتحدث في الشأن المصري بعمق وتفاصيل قد لا يخوض فيها المصريون أنفسهم وربما هذا ما يحسد العرب عليه المصريون وهو ان المصريين لا يقدرون حقيقة ولا قيمة مصر التي انعم الله عليهم ان ينتموا اليها.  والمضحك، وهو ليس في الحقيقة مضحكاً، ان العبارة الشهيرة (لو لم أكن مصرياً لتمنيت ان أكون مصرياً)  أصبحت على لسان أبناء الدول العربية قاطبة ويقبلونها قولا وفعلا، فبالإضافة الى إتقان بعضهم للهجة المصرية وبإتقان يتفوقون به على المصريين أنفسهم أصبحت عبارة (لو لم أكن سوريا او اماراتياً او سودانياً او سعودياً او مغربياً او ليبياً او جزائرياً او تونسياً، لتمنيت ان أكون مصرياً) عبارة و حقيقة يكرهها حكام معظم شعوبنا العربية ويفتخر بها المصريون، ذلك ان هناك من هو غير مصري يتمنى ان يكون مصرياً.  من وجهة نظري ان في هذا أقصى ما تطمح اليه اي دولة في العالم ان يتمنى أبناء بقية شعوب العالم ان يكونوا من أبناء ورعايا تلك الدولة، قمة في النجاح ان تصل دولة ما بصيتها الى تلك الدرجة.

 

 

ونرجو ان لا يُفهم مما تقدم اننا لا نحب اوطاننا، او اننا لا نكن لها الولاء والوطنية التي تستحق. نحن نحلم ان نخلق من دولنا العربية مصراً جديدة ومصريون جدد.  نرجو ان تصل رسالة الحب والعرفان التي يكنها كل عربي في ارجاء الوطن العربي لكل مدرس لغة عربية مصري علمنا وكل مدرس حساب وهندسة ورياضيات حديثة وعلوم ودين، ونرجو ان تصل رسالة الحب والعرفان وما نكنه لأم كلثوم وعبد الحليم ونجيب الريحاني وسيد درويش وسيد مكاوي، ونعم نكن الحب كذلك لتحية كاريوكا ونجوى فؤاد وحتى فيفي عبده ودينا. نكن الحب وكل الحب لمصر وكل ما هو مصري من اهراماتها العظيمة وكنائسها وصولاً الى ازهرها الشريف.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق