مسن في أزقة المدينة

في زحمة تلك الطرقات الهزيله ، ومع ضجيج أصوات العابرين ، وصفير الهواء البارد المزاحم لتلك الهمهمات الخافته العاليه ، رأتيه يتوسد سنينه الطويله  ، ناثرآ ما تبقى من انفاسه على تلك الأرصفه الجاحده ، يتكئ على ركن الحاجه بإستعفاف . يتوارى عن أنظار العطف بإبتسامة الحياء  ، يختبئ من هول الأحداث تحت ردائه المبتل بماء المطر بكبرياء ، وصقيع وحدته قد اسكت كل سؤال ثائر في داخله.

إنه العم ابو محمد كما اراد أن نسميه او كما يحب أن نسميه ، التحف الصمت حتى صار جزء منه ، وأكتفى بنثر إبتسامته الصادقه لكل عابر سبيل او عابث سبيل ، إفترش جزء صغير من هذا العالم لبيع فيه السواك . أسدل على إجهاده ستار التمني بأن غدآ سيكون احن عليه من يومه  . جلس وألام الشيخوخة تنقر عظامه الهشه ولا يبالي فطول عمره قد علمه كيف يخفي وجعه بصبر اجتزه خلسه من صبر ايوب

 

سألته بصوت ترددت فيه حروفي اخشى أن أجرح ما تبقى فيه من عزه وشموخ لما انت هنا يا عم ؟

إبستم لي في هدوء غطى جلبة المكان وقال وفي عينيه قد لمع دمع كاد ان يخنق نبضه الضعيف إنها الحاجه يابنتي .
طئطئ رأسه وسكت لتسكت معه تساؤلاتي بل وكل افكاري ، وحينها عم صمته ضوضاء المدينه ليتوقف عنده كل الكلام فلا يبقى للحديث قيمه ليعود لقص سواكه بأيدي ترجف بهزل لا اعلم هل من برد المكان ام من برد جوفه ، وكأن لسان حاله يقول:
لم يعد لحديث المسنين قيمه ، فعلى اعتاب النهايات نقف لتزل بنا اعمارنا الى هاوية الرحيل ، فنغادر كل ألم ووجع  . وإغتراب وحاجه
سرت بعيدآ جدآ عنه وكأني أخذت شيئآ من ألمه ومن مرارة سنينه الماضيه.
مضيت وكلي عتب على غدر الوقت وعقوق الأبناء ، رحلت وانا أحمل عبء الأمانه وثقل المسؤليه ، فهناك خلف اروقة مدينتي وتعالي ضحكاتها والكثير من اللهو ، فيها  يمكث اناس قد شقت الحياة ارواحهم إلى نصفين  ، نصف سحق تحت كبد الحاجه ، ونصف يحتضر.

 

العم ابو محمد لم يبقى منه إلا إبتسامة من ضياء تنير عتمه المتسكعين في تلك الممرات الباليه ، ولا يزال يتكئ بصمت قاهر على ركن الحاجه ولكن …..ك عادته بإستعفاف ………

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق