الصحوة مالها وماعليها

لم أكن بعيداً عن مصطلح الصحوة، لامن الناحية النظرية،ولامن ناحية مشاهدتها والمرور بها ومن حولها، على أرض الواقع،منذ بداية الثمانينات الميلادية، وحتى خَفتَ وهجُها وأصبح وميضاً لايكاد يُرى،منذ ٢٠٠١م، وحتى الأن!
فقد قضيت الثلث الأول من عمري قبل الصحوة والثاني في عمق الصحوة، والثلث الثالث الذي أعيشه الأن بعد الصحوة!
لمّا قامت ثورة الخميني عام ٧٩م وانتصر على الشاة، كان الشيعة قد تعطشوا في إيران للهرطقة والخرافة الشيعية فمالوا اليه وتعاطفوا معه،فناصروا ثورته حتى فرّ الشاة من إيران.
وأتت الثورة الخمينية ترفع أوراقاً سياسية كاذبة، كالموت لإسرائيل وامريكا الشيطان الأكبر، وتقطع علاقاتها باسرائيل من على الطاولة وتبقيها بشكل أقوى من تحت الطاولة ومن وراء الكواليس!
فحظيت بدعايات وتطبيل وتصفيق من أماكن شتى في العالم،حتى من أكثر العامة والبسطاء وانصاف المتعلمين وبعض المتعلمين المسيسين ومن الذين لديهم مشروعات إسلامية ثورية من أهل السنّة والجماعة!
فحاول جهيمان العتيبي السير على نهج الخميني وتقليده في ثورته، فقام بتوزيع التسجيلات ونشر الكتيبات التي تحث الناس على توقع ظهور المهدي قريباً، والذي سيقيم العدل في الأرض،فتسلل هو وجماعته في مطلع محرم عام ١٤٠٠ للهجرة بسلاحهم الذي أُدخل على هيئة أموات مكفنة على سلالم إلى البيت العتيق بمكة المكرمة وقبل صلاة الفجر، وكان هذا بعد ثورة الخميني بعامٍ كامل تقريباً.
وبعد أن ردّ الله كيده في نحره ونصر الحكومة السعودية عليه، رأى ولاة الأمر والعلماء في هذه البلاد المباركة ، السعودية، أن يُبصَّر الناس في دينهم وعقيدتهم ويُبيَن لهم بُعد عقيدتهم الوسطية عن الخرافات الشيعية التي أخذت في التنامي، وكذلك البُعد عن الفكر الخارجي الذي تبناه جهيمان وجماعته، فانبرى كبار العلماء للندوات والمحاضرات والدروس في الجوامع والمساجد والإذاعات والتلفزة، وسار على نهجهم نخبة من الدعاة والوعاظ والمصلحين الأكفاء ومن الذين يدعون على هدى وبصيرة فتقبل الناس هذه الثورات العلمية الشرعية المباركة، وتابعوها وسايروها وانتشرت انتشارا واسعاً في كافة انحاء السعودية والخليج فإلى البلاد العربية، فتعلم الناس الكثير من أمور دينهم بعد غفوة طويلة من الزمن وقد نفع الله بها، وعلى المستوى الشرعي والثقافي والأدبي فتعددت الخُطب والدروس وأُلفت الكتب والرسائل وتنافس الأدباء والكتاب والشعراء، في تمجيد القيم والثوابت والفضيلة والمرتكزات الدينية والثقافية والإجتماعية وغيرها من المسلّمات الحميدة، ومن خلالها فهم الناس الكثير من أمور دينهم، والتي جهلوها ردحاً من الزمن فقد كان الرجال والنساء في كثير من أقاليم البلاد يختلطون في القرى ولاتتحجب المرأة من الرجل، حتى أوصلت الصحوة أدلة الحجاب ومشروعيته إليهم، وكان الكثير من الناس يجهلون الكثير من السنن والنوافل، وكيفية تطبيقها والعمل بها، والأدلة عليها حتى أقبلوا عليها فتعلموها وعلموها لغيرهم وأصبحت الدعوة ديدن الكثير من طلبة العلم في جميع الأحياء السكانية ومرافق العمل، والحكومة تشجع ذلك وترعاه، ليسير بطرق صحيحة!
ومع تنامي تلك الصحوة بدأ قتال المجاهدين الأفغان للسوفيات في أرضهم، واستجاروا بالمسلمين في العالم بأسره، فهب لنجدتهم الكثير من شباب المسلمين رغبةً في جهاد السوفيات وإخراجهم من أرض المسلمين ولقي هذا الجهاد تشجيعاً من العلماء ومن بعض الحكومات العربية والمسلمة، وتشجيعاً من الغرب الذي كان يطمع في سقوط الإتحاد السوفياتي بعد استنزافه في الحرب!
غير أن ساحات القتال في افغانستان قد استقطبت كل من هبّ ودبّ، وخلطت الأخضر باليابس، فخلطت السلفيين المعتدلين بالتكفيريين الذين يكفرون العلماء والحكام، بالخوارج الذين يحلمون بدولة اسلامية خارجية تنتزع الحكومات من حكامها، وخلطتهم بالأخوان الذين يطمحون في حكومة إخوانية لهم فحسب، فتبدلت أفكار الكثير من المجاهدين هناك، وتلاشت قناعاتهم الجهادية، فاتّبع كل منهم من يهوى من تلك الفرق المتباينة، وعاد البعض من شباب ذلك الجهاد مهووساً مضطرباً منتكساً وقد أنكر تلك الأفكار، حتى انحرف عن الدين وتبرأ من سني جهاده، وعاد حرباً على الإسلام والمسلمين وبقي البعض في افغانستان تكفيرياً خارجياً من رأسه حتى أخمص قدميه!
ومع كل هذا الإنفتاح الدعوي تنامى الفكر السروري الذي يجمع بين الفكر السلفي والفكر الثوري الأخواني فكلا الطرفين يقبل به وينحاز للجانب الذي يناسبه، ولكنه في حقيقته يتبنى التوجه الخارجي، ومن خلاله تسلل إلى هذه البلاد الفكر السروري والأخواني عن طريق بعض المعلمين والاكاديميين العرب في جامعاتنا ومدارسنا، وفي المخيمات الكشفية والطلابية والتي تمررت من خلالها إلى عقول البعض من طلابنا ومعلمينا تلك الافكار المسيسة والتي تتأرجح مابين السرورية والأخوانية والقاعدية.
وقد كان الموفق من فهم الدرس وابتعد عنها وكان التعيس من إتّبعها وسار في دربها، وإن كان جهلاً منه وعدم دراية!
وهنا حمّل اللبراليون والحداثيون والعلمانيون والبعض من المراقبين والمفكرين، وحتى بعض الإسلاميين، كل الأخطاء على كاهل الصحوة وبكل مكوناتها ودعاتها وكل من سار على نهجها وخُطاها، كتلك الأخطاء التي حدثت في افغانستان من نزاعات وشقاق وحروب وحتى التطرف والإرهاب، وتلك الأخطاء الفردية لبعض رجال الهيئة والتشدد المذموم النادر الذي قد يصدر من بعض العلماء والدعاة والمحسوبين على الدعوة الإسلامية.
والحقيقة أن الثقة العمياء التي أفرطت الصحوة فيها، مع من تسلل إلى منابرها وجوامعها ودروسها وحلقاتها، ممن حمل أفكاراً متطرفة وفتاوى شاذة أو متشددة، والذين جلّهم من الوافدين إلى هذه البلاد المباركة، والذين لم تتثبت الصحوة من أصولهم العقدية والفكرية فتركتهم يسرحون ويمرحون ويفتون وينظّرون بين الأجيال الشابة الواعدة حينذاك… قد كانت من أخطاء الصحوة التي لاتُنكر أبداً.
غير أن الصحوة السعودية المنضبطة لم تكن في يوم من الأيام أو في لحظة من اللحظات داعية لأي شكلٍ من أشكال التطرف والأرهاب بل كانت حصناً حصيناً في وجه كل إرهابي متطرف،ودرعاً حامياً ومدافعاً عن هذه البلاد وغيرها من بلاد المسلمين، بالدعوة السلفية المعتدلة، والنهج النبوي الصحيح، وكانت تدعو لطاعة ولاة الأمر بالمعروف في المنشط والمكره ، وتدعو لتقوية اللحمة بين الشعب وولاة أمره، والإلتفاف حول علماء هذه البلاد .
ولاشك أن أخطاءها الغير مقصودة تذوب في بحر حسناتها كما يذوب الملح في الماء!!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق