لك الله يا ” كفاءة” في حرب الإقصاء الضروس

قابلته في أحد المساءات الساخنة التي اكتوى بحرها صيف مدينة الرياض وما أن هممت بأخذ مقعدي حتى علا صوته بتنهيدة حزينة آسية على ما تألوا إليه الأمور في مؤسساتنا من إقصاء، بل ومحاربة ضروس للمتميز الكفء. وأتبع ذلك بقوله : إن الكثير ممن يديرون دفة الأمور في مؤسساتنا يخشون توهج المتميز، وفكره النير، وضميره الحي، وإخلاصه، وتفانية، وتقديمة لمصلحة الوطن، وتساميه فوق الصغائر، وتوظيفه لعنصري المعرفة والخبرة فيما يوكل إليه من عمل. ويقابل ذلك تمكين فئات منسلخة من تلك الخصائص، وميزتها الوحيدة أنها تبادر بالقول سمعاً وطاعةً لكل ما يردها، وتغض طرفها عن كل نقيصة مقابل رضا وتمكنين قائد المسيرة في هذه المؤسسة، أو تلك. وختم بقوله: أشد ما يحزنني أن ذلك تأصل في كثير من مؤسساتنا فبات اختيار المواقع القيادية فيها منطلقه الولاء، وأصبح التنصيب فيها جوائز تمنح على المواقف، وليس الكفاءة. فلا يسعني إلا أن أقول لك الله يا “كفاءة” في حرب الإقصاء والتهميش الجائرة.

وزدت على قوله هذا بالإشارة إلى أنك إنا أتجهت ببصرك يمنة، أو يسرة في أصقاع العالم شرقه وغربة فستجد حتماً أن الدول بمؤسساتها تعظَُم الكفاءات المتميزة، بل إنها تستثمر فيها، وتنتظر توهجها ونضجها لتضعها في المكان اللائق بها حتى تتمكن من صنع الفارق للمؤسسة التي تعمل فيها تلك الكفاءة.

ولعلي إضيف على ذلك إنه من نافلة القول إن الجهد، والبذل، والعمل الدؤب، والصبر والجلد، والانتاجية، والنشاط، والقدرة على الإبتكار والتطوير و التجديد، وكما هو الحال بالنسبة لامتلاك روح التحدي، والقدرة على الابداع هي كلها مفاتيح، أو البوابة التي يلج من خلالها من يريد أن يلامس هامة النجاح والتميز، ولكن هذه البدهية يمكن لها أن توجد في محيط ليس بمثل مشهد واقعنا المحلي اليوم الذي تتحكم في مفاصل الأمور فيه اتقان لعبة العلاقات العامة، وكم ونوعية الأشخاص المؤثرين الذين يعرفهم المرء وهم وحدهم ومن خلالهم فقط يستطيع الصعود لمنصات النجاح والعلو. وحرب الكفاءات المستشرية هذه في أجزاء كثيرة من مؤسساتنا والتي يمكن أرجاعها لعاملي الغيرة والحسد، والخوف من الكفاءة الإدارية، وكذلك الفساد. صاحب الكفاءة بتوهجه يطفىء أنواراً صاخبة متوهجة شكلاً، ويُعري زخرفها الزائف أمام الأخرين، ويسحب البساط من تحت أقدامها، ومن هنا تبدأ آلة الحرب بقضها وقضيضها للنهش في جسد الكفاءة حسداً وغيرة، وربما خوف منها. وللفساد دور محوري أيضاً في محاربة الكفاءة. صاحب الكفاءة بعمله وإخلاصه وضميره يساهم في تعرية الفاسدين وسحب البساط من تحت أقدامهم بالعمل الدؤوب، وكشف حقائق تفضح مسيرة من يدير الأمور بطريقة غير نزيهة، ولذلك يتم إقصاء تلك الكفاءة حتى لا تكون مصدر تهديد مباشر لمناصبهم ونفوذهم.

وسأحاول من خلال هذه الإطلالة المقتضبة مناقشة هذا التوجه بعد أن بات من الاتساع بمكان يجعل من التوقف حياله مليّاً لسبر أغواره ضرورة ملحة، ومناقشة انعكاساته السلبية المتوقعة المدمرة، مع استعراض سريع لما ينبغي أن نقوم به من أجل التخلص مما يمكن تسميته باخطبوط المحسوبية، أو إسناد الأمر لغير أهله، أو لغير المؤهل والجدير الذي ليس لديه من الكفاءة والجدارة، وغير ممتلك لقدرات ومؤهلات لازمة يتطلبها ويقتضيها تولي دفة منصب قيادي شاغر.

المتأمل في الشأن الإدراي المحلي، وفي الوظائف القيادية تحديداً يجد في معظم الأحوال أنّ النافذة التي تقود إلى مزيد من الرقي الوظيفي محاطة بإطار العلاقات، لا الكفاءة والاستحقاق والاستقامة التي جميعها تتقزم أمام جبهة الولاءات، والعلاقات، ومنظومة الثقة، والشللية، والمحسوبية. والخطورة في الانزلاق، أو الاستجابة لهذا المحنى تكمن في اختطاف المناصب القيادية التي هي عصب الدولة وطليعتها التنفيذية واسنادها لغير الأكفاء. وذلك يؤدي في نهاية المطاف إلى قصور في أداء أجهزة الدولة الإدارية، وانخفاض ملحوظ في معدلات النمو؛ لانعدام تواجد العنصر البشري الكفؤ على رأس الهرم الوظيفي، وتعميق الشعور بالظلم نتيجة الاستيلاء الشليلي على الوظائف القيادية. كما أنه هذه السياسة تزيد من الإحباط، وتقود أيضاً إلى انخفاض في درجة ثقة الجمهور في مؤسساتهم الحكومية، وتقلل من رغبتهم في العمل علي مناصرتها ودعم سياساتها وتوجهاتها. وربما قاد هذا التوجه كذلك إلى خلخة في القيم الأخلاقية، وسيادة بارزة لدولة الرجال في مقابل دولة المؤسسات والقانون، والفشل في جذب الاستثمارات الخارجية، وهروب رؤوس الأموال المحلية، وفوق ذلك كله إصابة هيبة الدولة في مقتل، وإصابة العدالة التي هي أساس الملك بسهم قاتل مدمر مما يعني اختلال في ميزان القوى، وتوهان بمقدرات المجمتع.
ولعل المقارنة بين خصائص العصامي الذي يمتلك سمات قيادية تُنحى في الأغلب الأعم جانباً، والميزة التي يعلو فيها كعب المحسوب المنحصرة في سلسلة من العلاقات المتينة غير القابلة للاختراق التي تدفع به دوماً في مقدمة الركب تُظهر البون الشاسع بينهما، وخطورة تنصيب من ليسوا أهلاً. فعلى المستوى العام نجد أن التأهيل الكافي والكفاءة متى ما استثمرت في العمل على تنصيب قيادي كفؤ تعني بالضرورة ضمان توافر فرص وضع خطط واستراتيجيات، وتوفير بيئة مناسبة للإبداع والتطوير داخل هذه المسؤسسة، أو تلك. وعلى الطرف النقيض يفضي تنصيب قيادي غير كفؤ إلى نتائج وخيمة تتمثل في ارتفاع وتيرة المنفعة الشخصية على حساب المصلحة العامة العليا، وفتح المجال على مصراعيه للمحسوبية، وكذلك هدر للامكانات والمقدرات التي تحت تصرفه.

وعند المقارنة بينهما في تفاصيل الأداء ودقائقه نجد أن السبق يصب بالطبع لصالح الكفاءة الإدارية التي تجد نفسها خارج حسابات من يقوم بالاختيار، أو الانتقاء. فنقص الكفاءة يتولد عنه عاهات إدراية جمة مرتكزها ومنطلقها فقد الثقة بالنفس وبالآخر والتي يتولد عنها سمات سلبية تتوالد من ذلك وتكمن في الخوف غير المبرر من النقد الهادف، ومحاولة تغطية العجز عن تقديم المفيد بحشد إعلامي صاخب عالي الضجيج، والارتماء والارتكان في أحضان العلاقات والولاءات، ومحاولة فرض السلطة والهيمنة من خلال تعزيز، أو تبني المركزية الإدارية الخانقة، وخلق فرق وتحزبات يسهل من خلالها السيطرة على الوضع العام داخل ادارته، وكذلك تجد عجزهم عن النهوض بأعباء العمل القيادي المناط بهم يقودهم إلى الانهماك في الاهتمام بمستقبلهم ومصالحهم الذاتية في مقابل المصلحة العامة. وبالنظر إلى الطرف الآخر نجد النقيض تماماً حيث أن القيادة المؤهلة ذات الكفاءة متى ما وليت الأمر تعمل دوماً على خلق منظمومة عمل واحدة منطلقاتها التفاني، والاخلاص، والجودة، والانتاجية، وتغليب المصلحة العامة على الرغبات والحاجات الشحصية. ومرتكز عملها وخططها العمل على الاستفادة من المعطيات المتوافرة سواء كان ذلك في صورة دارسة مستفيضة لتجارب مماثلة سابقة، أو الاستناد إلى معلومات، واحصاءات، ودراسات مستفضية متعمقة. هذا فضلاً عن الابتعاد عن الارتجالية، والعمل بكل ما أوتي من قوة لتوظيف الموارد المتاحة في إطارها الصحيح، وتوظيف كل الامكانات والقدرات لقطع الطريق أمام كل ما من شأنه إحداث شرخ في العلاقات الشخصية والمهنية بين أفراد الطاقم الإداري الذي يعمل تحت إدارته؛ وذلك ربما من خلال توظيفه واستخدامه وتفعيله برامج تقويم الجهد وفق منهج موضوعي عادل، واسناد الفضل لمن قدم عملاً مميزاً، وفي الوقت نفسه محاسبة المقصر، والحيلولة بكل ما أوتي من قوة للوقوف أمام كل ما قد يؤدي إلى انخفاض في الانتاجية وربما عدم الانضباط والتسيب والإهمال.

والخروج من مأزق أسناد الأمر إلى غير أهله، أو على الأقل في المنظور القريب التقليل من حدة شيوعه، وممارسته المستفحلة يتطلب إقرار نظام شروط تولي المناصب القيادية داخل مؤسسات الدولة، ووزاراتها، وجامعاتها، وكلياتها، وهيئاتها الإدارية العديدة المتنوعة تفصل فيه هيئة مستقلة بمسمى الوظائف القيادية في الدولة مشكلة من مجموعة من الخبراء تقوم بفحص أوراق المرشحين والاختيار ضمن معايير محددة وواضحة ومعلنة. وبذلك نكون قد أوصدنا الباب تجاه ممارسة اسلوب حرية الاختيار دون قيود، أو ضوابط تلزم إعلان المعايير والمقومات التي استند عليها الاختيار لكي ننجح في اتاحة حق المنافسة لشغل المناصب الكبرى، ولكي نهيئ الأجواء للاحتكام إلى أهل الكفاءة لا أهل الثقة والمعارف. وهذا في نهاية المطاف سيجعل التقارير الدولية ذات العلاقة بالتنمية والتوظيف تصنفنا ضمن الدول التي تتوافر فيها شفافية معايير التوظيف والتعيين والتي هي في نظر تلك المنظمات مؤشر مهم لمردودية الانتاج داخل المؤسسات العامة نظراً للعلاقة المطردة بين جمود مؤسسات الدولة العامة، وعجزها عن الانخراط في مسلسل التنمية والتحديث، وبين تقديم المناصب العليا لأشخاص كفاءتهم الغالبة والمرجحة درجة قرابتهم من هذا المسؤول، أو ذاك. وفي الختام دام عز وطننا شامخاً برجاله الأكفاء.

كلمات البحث

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق