النصف الآخر!

حوّاء، النصف الآخر من المجتمع، أو من جسد الرجل أو نصف عقله وقلبه ومشاعره، أو قل أيضاً نصف نجاحه أو فشله، أو نصف هدوءه وراحته أو نصف تعاسته وشقاءه، أو قل يا صديقي هي النصف من كل شيءٍ وكفى.

لقد لقيت حوّاء في حياة الرجل إما أن تكون سنداً تدفعه إلى الأمام، أو تكون أمامه يتعثر بها أو إلى جانبه تنتظر دورها في حياته، ومن اللطيف أنني وقفت على حياة بعض العظماء والمفكرين والأدباء وقرأت تراجم كُتِبت عنهم وبعض مُذَكراتهم التي دوَّنوها عن حياتهم، فوجدت أن لحَّواء نصيباً من صفحاتهم، وكيف كان دورها وأثرها في حياتهم العملية والعلمية والإجتماعية، وحين نتحدث عن هذا فلابد أن يكون على رأس الهرم محمد صلى الله عليه وسلم وزوجته خديجة رضي الله عنها، لقد كانت خديجة مِثالاً يُحتذى وزوجةً فريدة وإمرأةً تنبض بالود والعطاء في حياته صلى الله علي وسلم،تزوَّجته وهو فقير وأسكنته بيتها وكانت تُنفق عليه من مالها حين تفَرغ لأمر الرسالة، وكانت تُصدِّقه حين يكذبه الناس وتثق به حين يخذله الواقع .. كانت تعرف دورها في حياته صلى الله عليه وسلم، وتعرف أين ينتهي أيضاً، كانت شريكته في الأفراح والأحزان، كانت نِصفاً كاملاً في حياته صلى الله عليه وسلم بشهادة المواقف والأحداث.

ومن مواقف خديجة رضي الله عنها مع زوجها محمد صلى الله عليه وسلم توقَّفت كثيراً عند مشهدٍ من مشاهد الثقة المُتبادلة بينهما، مشهد التفاهم والتناغم بين الأدوار، مشهد النبي المُكلَّف للتو والزوجة التي لابد أن تتهيأ لتتكيف مع ما كُلِّف به زوجها، وذلك عندما عاد إليها خائفاً يردد: ” دثروني دثروني ” بعد أن نزل عليه جبريل بقوله تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) لقد عاد إليها خائفاً يرتجف فلم تبادره بالسؤال عن تفاصيل الحادثة أو عن سبب خوفه وارتجافه، أو ما الذي جرى أو لماذا وكيف وأين! بل ارتمى بين أحضان ثقتها وحنانها ولطفها ثم ما زادت عن أن قالت: (والله لا يخزيك الله أبدًا) الله أكبر، لقد قامت بالواجب رضي الله عنها على أكمل وجه، أراد منها محمد صلى الله عليه وسلم أن تُطمْئِن قلبه وتدِّفي جسده وتهدئ من روعه ففعلت،وبهذا نالت قلبه واستحقّت حُبَّه وتشرَّفت بأن تكون سيَّدة الإسلام الأولى رضي الله عنها.

المشاهد كثيره في حياته صلى الله عليه وسلم مع أزواجه، لكنني سأكتفي بما ذكرت لأعطيكم نماذج أخرى كانت تسير حياتهم على خُطى منهج بيت المعلِّم الأول محمد صلى الله عليه وسلم وأزواجه، ولعلي أقف وإياكم مع شخصيةٍ تعرفونها، كان لها أثراً كبيراً في بلادنا المملكة العربية السعودية، رَجُلاً سيرته تتسم بالانضباط والعقلانية والإنتاج، حتى أن صُنّاع القرار في بلادنا حينئذ استفادوا منه في عدة وزارات ومؤسسات، إنه غازي القصيبي، غازي الذي تزوَّج بنصفٍ مكَّنه من التفرغ لأن يكون رَجُلاً بهذا التاريخ الذي يُروى عنه حتى بعد وفاته رحمه الله، لقد حَمَلت زوجته عنه نِصف حياته فحملها هوه بنصفه الآخر، واكتتبها معه على صفحات تاريخه النابض بالعطاء والجَمال، كيف لا وقد أثبتت زوجته له جدارتها بهذه المكانة من حياته بالمواقف والتضحيات، حتى قال القصيبي مُرتاحاً:” “أسمع قصصاً شبيهة بحكايات الرعب عن زوجاتٍ مشاغبات، لا يقنعهن شيء ولا تنتهي مطالبهن، لا يتحدثن إلا بالصراخ، ويحققن مع أزواجهن في كل دخول وخروج، ولا يعرفن شيئاً عن الأطفال، لا أدري ماذا كنت سأفعل لو تزوجت امرأة من هذا النوع، وإن كنت أرجّح أن الزواج كان سينتهي قبل انتهاء شهر العسل” انتهى. كانت سنده في كل نجاحاته ورفيقته في كل لحظاته لذا لم ينتهي زواجهم قبل انتهاء شهر العسل كما قال القصيبي، بل دام زواجاً سعيداً لأنها كانت تتفهم دورها وتعرف واجباتها، حتى قال القصيبي عن زواجه منها: ” كان حظي سعيداً مع الزواج، وإن كنت نجحت في بعض حياتي فقد كانت زوجتي الشريكة الحقيقية في هذا النجاح، المرأة المجهولة التي تقف بحب وصمت وولاء، وراء رجلها ولولا زوجتي لما استطعت أن انصرف بكل جوارحي إلى الخدمة العامة”انتهى. وقد ذكر القصيبي هذه الشهادات عن زوجته في كتابه “حياة في الإدارة” في إشارةٍ واضحة إلى أن الزوجة شريكةً باستطاعتها أن تسند زوجها أو تَخذله، إذا ما تطلَّع الزوج إلى دورٍ تقوم به الزوجة ويعلِّق عليها آمالاً وطموحات.

أما حياة بعض الأدباء مع زوجاتهم ففيها من التضحيات ما يستوقفنا عنوةً لنرى من زاويةٍ أخرى معنى التكامل بين الزوجين وعمق التفاهم وبداهة الحب المتجلي في مشاهد حياتهم الخاصة والعامة، وقد وقع اختيار ذاكرتي على الأديب والمفكر الجزائري مالك بن نبي وزوجته خديجة، وحين نقف على حياة مالك بن نبي فإنه يأخذنا هو بالحديث عن زوجته، وكأنه لا يستطيع أن يتجاوز مواقفها وتضحياتها معه وقد ذكر عنها الكثير في كتابه ” شاهد على القرن”، الجدير بالذكر أن زوجته فرنسية الاصل وقد عاش معها في فرنسا مُغترباً عن أهله، وكان سكنهم غُرفةً بلا ماء ولا حمام كما يقول مالك وكانوا يتشاركون مع سكان تلك البناية التي احتوت غرفتهم حماماً مشتركاً وصنبور مياه وحيد للجميع، ورغم كل ذلك كان يقول: “لقد لبثنا طويلاً نستنشق عبير هذه السعادة البسيطة الجادة في حياتنا” انتهى. ذلك لأن مالك بن بني وخديجة قرروا بأن يكونوا أوطاناً لبعضهم البعض، فكان ظاهر حياتهم الفقر وباطنها الغنى ، غنى الاكتفاء بالحب والعيش على المبادئ التي آمن بها مالك بن نبي وقرر أن يقضي حياته دونها ومن أجلها وقد كانت زوجته خديجة تؤمن بمبادئه وتدافع عنها بإخلاص أيضاً، وكانت معه سنداً تصنع من العدم كل شيء، ولم يكتب زوجها عنها فقط، بل تعجَّب من ولائها لزوجها الأديب المصري عبدالوهاب مطاوع وكتب عنها قائِلا:” وتظل خديجة دائمًا مع زوجها تخفف عنه عناء الحياة وتشد من أزره كلّما ضعف أو ضاق بالأزمات المستحكمة حوله.. وتؤمن به دائمًا في أصعب الأوقات، و تؤكد له إيمانها الذى لا يتزعزع، بأنه على حق في موقفه من الحياة ومن كل ما يؤمن به من مبادئ وأفكار .. وتوغل السفينة فى بحر العناء وتصمد لكل العواصف والأنواء، إلى أن تصل سالمة في النهاية إلى شاطئ الأمان، ويحقق مالك بن نبى ما كان يراوده وهو شاب صغير فقير من أحلام لخدمة مجتمعه وبلاده والفكر العربي، ويجلس ليكتب مذكراته، فتطل عليه من الأوراق صورة زوجته المحبة العطوف!” انتهى. إنها عظيمة بِحق، حين قررت أن تكون نِصفاً لرَجُلٍ عظيم، فكانت هذه السيرة المفعمة بالعطاء والجمال.

ومثل خديجة، تُطِل علينا “آنا “زوجة الأديب الروسي ديستويفسكي وسكرتيرة أعماله وعرابة حياته التي عانت معه الأمرَّين في حياتهم، إذ قررت أن تكون زوجته الثانية بعد وفاة زوجته الأولى، وقد عبَّرت عن انطباعها الأول عن زوج المستقبل فقالت :” لأول مرة في حياتي رأيت إنساناً ذكياً طيباً ولكنه بائس لكأنَّ الجميع لفظوه وتملكني شعور من التعاطف والشفقة نحوه”انتهى. الجدير بالذكر أن ديستويفسكي حُكِم عليه بالإعدام مرَّه ثم أُعْفِي عنه ثم حُكم عليه بالنفي إلى سيبيريا مع الأعمال الشاقة، وقضى هناك ما قضى من محكوميته ومع ذلك لم تتردد آنا في الزواج منه والوقوف إلى جانبه في نضاله، وقد قال عنها هو أيضاً:” كنت غالباً ما أقول لنفسي: كم هو طيب قلب هذه الفتاة، فهي تشفق علي وتروم إنقاذي من محنتي ليس بالكلام بل بالعمل ولما كنت أعاني من الوحدة الروحية فقد كان العثور على إنسان يتعاطف معي بصدق وإخلاص سعادة هائلة”.انتهى.

المشاهد كثيرة والمواقف شاهدة،لكنني أختم قائلاً: ستقف الحياة على مفترق طُرُق إذا ما كان للزوجين رؤويةً تجمعهم حول مبادئ الحياة وقِيَمَها؛هذا إذا ما أراد كِلا النصفين أن يعيشا حياةً غير عادية،حياةً استثنائية؛لأن هذه المبادئ والقيم سوف تلوِّن حياتهم وتعطيها بُعداً آخر،أما الذين يريدون العيش على هامش الحياة فليس في هذا المقال ما يستدعي الحديث عنهم،لذا على مَن أراد أن يحيا حياةً مفعمة بالعطاء أن يختار نصفه الآخر بعناية،نِصفاً يؤمن بمبادئه وينصر قضاياه ويثق في رؤيته ويذهب به نحو أهدافه،وما دام النصفين معاً في نضالٍ لا يتوقف.. فستكون السعادة هائلة – كما قال ديستويفسكي- والحياة مُثيره والسيرة عظيمة.والسلام.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق