هل تعدد الثقافات ممكن في بلادنا؟

منذ أن خلق الله البسيطة وأوجد عليها البشر تبنى البشر بفطرة الله التي فطرهم عليها ثقافات وقناعات مختلفة والتي قد تصل في أحيان كثيرة إلى حد التباين الحاد فيما بينها البين إلا أن هذا الاختلاف والذي هو سنة كونية جعل البشر يصنعون منه خلاف ومن طبيعة الخلاف كما نعلم أنه لا ينتج عنه إلا الصراعات والنزاعات والحروب والتاريخ حافل بأحداث مشابهة لذلك كانت أسبابها وتداعياتها تعود في معظمها إلى الخلاف حولها والتضاد فيما بينها ولكن من رحمة الله بالبشرية جمعاء أنه أوجد بينهم العقلاء والحكماء الذين سعوا ويسعون إلى نبذ الخلافات وتقبل الاختلافات ونشر مبادئ تقبل الآخر أياً كان شريطة إعتماد الفرقاء مبدأ الاحترام المتبادل الذي يدعو إلى تعزيز المشتركات والتركيز عليها وإهمال المُتضادات وعدم التطرق إليها.

لذا فإن هذا الأمر من حيث المبدأ لا خلاف عليه ولا يجب أن يكون هناك خلاف عليه إلا أن على المؤمنين بهذا المبدأ مراعاة خصوصية كل ثقافة يمتلكها أي مجتمع واحترام حقه في الاختلاف ونعم من حق أي مجتمع نشر ثقافته بل وحتى عقيدته ولكن لا يحق له أن يسعى لفرضها فرضاً على من لا يؤمن بها ولا يتبناها ورغم مزاعم الكثير من البشر إلتزامهم بهذه القاعدة الفكرية إلا أن الواقع والتاريخ يشهد بأن الكثير من الثقافات وأصحابها إما يجهلون أو يتجاهلون هذه القاعدة فيحاولون بشتى الوسائل والطرق المشروعة وغير المشروعة فرض ثقافاتهم بل وحتى سلوكياتهم على الآخرين بالإكراه في غالب الأحيان مما يولد ما تحدثت عنه من صراعات وحروب أثقل على التاريخ سردها من شدة كثرتها وطول مُدّتها.

وهنا سأعود إلى بلاد الحرمين الشريفين وأسأل نفسي وإياكم هل تعدد الثقافات ممكن في بلادنا؟.

لقد بدأ يدور الحديث هذه الأيام بين بعض الشرائح الفكرية في مجتمعنا حول موضوع قبول الآخر والسماح له بالتعبير عن ثقافته بل وحتى عقيدته أياً كانت وهنا أدعوا هؤلاء إلى التفكر قليلاً والنظر إلى المجتمعات التي يروجون لها على أنها مجتمعات منفتحة وتسمح بتعدد الثقافات وتسمح بالدعوة إلى تبنيها فالعارف بالأمور يعلم جيداً أن هذا الإدعاء هو على أقل تقدير إدعاء مزيف وأبعد ما يكون عن الحقيقة ولنأخذ المجتمع الأمريكي مثالاً على ذلك بحكم أن أمريكا وبإعتراف الجميع الدولة الأولى في العالم والدولة التي تزعم بأنها واحة الحرية وملاذ مختلف الثقافات والقناعات.

إن المطلع على أحوال هذا البلد وأعني هنا أمريكا يعلم بأن هذا الكلام لا يجب أن يؤخذ على إطلاقه فالحرية لديها رغم الإقرار بوجودها إلا أنها مشروطة ومحكومة بعدة اعتبارات أهمها أن لا يكون في التعبير عن أي قناعات أو ثقافات مصادمة ومصادرة لما هو سائد لديها من ثوابت ثقافية ومعرفية ومن بين هذه الثقافات المحضور الترويج لها والدعوة لتبنيها الشيوعية على سبيل المثال وذلك لأن مبادئ الشيوعية في تضاد تام مع المبادئ الرأسمالية التي تتبناها أمريكا وهنا أنا لا أسرد هذه الحقيقة من باب الاعتراض عليها وإنما من باب الاستدلال بها فأنا أرى أن من حق أي مجتمع أن يحافظ على ثقافته ومبادئه وعقيدته وهذا الحق كما ينطبق على أمريكا فهو ينطبق أيضاً على بلاد الحرمين التي كما يعلم العالم بأسره أنها تتبنى ثقافة إسلامية يجمع عليها الغالبية العظمى من مواطنيها وترغب هذه الدولة ويرغب غالبية مواطنيها في الحفاظ عليها وحمايتها شأنها في ذلك شأن غيرها من بقية الدول.

إن الحديث عن الثقافة وحرية تبنيها في مجتمعنا أمر لا أرى فيه أي حرج متى ما توقف الأمر عند هذا الحد ولكن الخطر يكمن في أنه بدأ ينحو منحى متطرف وخطر جداً في نظري فلقد سمعت بأذني مثلاً من يطالب بحرية التعبير عن الإلحاد في المجتمع السعودي ولا يرون أي ضرر في ذلك أو مانع يحول دون السماح بالتصريح بهذه القناعة وهنا مكمن الخطر فنحن لو سلّمنا بأن الكل له حريه الاعتقاد وتبني أي ثقافة يراها تناسبه إلا أننا لا يمكن أن نسلم بحرية التعبير عنها والتصريح بها خاصةً إذا ما ثبت أنها في تضاد تام أولاً مع دستور الدولة وهو الإسلام وثانياً مع قناعات الأغلبية التي ترى في الإلحاد عدواً وخطراً وتهديداً لا يمكن السماح بالترويج له أو الدعوة إليه حالهم في ذلك حال بقية المجتمعات التي تدافع عن ثقافتها وأمنها واستقرارها ولا يحق لأحد التثريب على دفاعهم هذا أو انتقاده.

إن معضلة بعض مثقفينا أنهم ينظرون بعين واحدة فقط فهم لا يرون إلا نصف الحقيقة ويتجاهلون أو يجهلون نصفها الآخر حيث تجدهم يرددون ما يقوله الطرف الآخر كالببغاءات ويغفلون عن أن هذا الآخر لا يطبق داخل بيئته ما يطالبنا نحن بتطبيقه ويمنح نفسه حقوق يحرمنا نحن منها وأنا قد لا ألومه كثيراً فهو أولاً وأخيراً يبحث عن مصالحه ونشر أي ثقافة تحققها له ولكن اللوم كل اللوم أوجهه لمن يصدق ترهاته ويتبنى مطالبه وينادي بتطبيقها من قبل أبناء وبنات هذا البلد.

إن ما يجب أن يعلمه الجميع وأخص بالذكر الشريحة التي ذكرتها أن الانبهار بالآخر لا يعني الاذعان له فالكل يؤخذ من كلامه ويرد ويجب أن نعرف حقوقنا ونحافظ عليها كما يعرف الآخر حقوقه ويحافظ عليها ولا يجب الخلط بين الإيمان بحرية اعتناق الثقافات وبين حرية الترويج لها والتصريح بها خاصةً حين يكون في ذلك خطر لا مراء فيه على أمن وسلامة المجتمع سواءً من الناحية الفكرية والسلوكية أو من الناحية العقائدية على وجه الخصوص.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق