الطلاق لم يكن ظاهرة قديماً فلماذا هو حديثاً؟

لماذا خلق الله جميع مخلوقاته ذكراً وأنثى؟ ولماذا إختصّنا نحن البشر بالزواج ولم يدعنا هملاً كغيرنا من مخلوقاته التي جميعها تتسم بنفس الصفتين؟ … إن النزعة الجنسية لدى جميع مخلوقات الله عز وجل نزعة فطرية تتجلى فيها حكمة الله ومراده من جعل مخلوقاته تتميز بصفتيّ الذكورة والأنوثة ولكنّه اختصنّا نحن البشر بنعمة “العقل” التي من أهم وظائفها ضبط جماح هذه النزعة الشهوانية وتنظيمها والارتقاء بها من مجرد كونها علاقة جسدية حيوانية لا يحكمها أي ضابط إلى علاقة روحية سامية تسودها عدة خصال أهمها ما ذكره سبحانه حين قال: “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ” فسمّى سبحانه وتعالى هذه العلاقة ب “الزواج” كعلاقة ليس فقط تجمع الاجساد وتلبي رغباتها وغرائزها وإنما علاقة تجمع الأرواح وهو الأهم حتى تتوادّ فيما بينها بين وبالتالي تتآلف فيرحم بعضها بعض.

لقد نشرت مصادر رسمية سعودية مؤخراً بأن المحاكم السعودية سجّلت ٥٣ ألف حكم طلاق في عام ٢٠١٧ بمعدل ١٤٩ حالة طلاق في اليوم إضافةً إلى مئات الحالات التي وقعت دون اللجوء إلى المحاكم وبيّنت إحدى الدراسات الاجتماعية أن كل ١٠ حالات زواج يقابلها ٣ حالات طلاق ممّا يعني بأن ثلث المتزوجين الجدد إما مُطلق أو في طور إجراءات الطلاق فما هي مسبّبات إنتشار هذه الظاهرة يا ترى التي كانت معدلاتها منخفضة جداً في الماضي وماهي تداعياتها التي أصبحنا نعيشها واقعاً ملموساً؟.

صحيح أن الزواج علاقة شأنها في ذلك شأن أي علاقة تجمع أي شخصين، علاقة معرضة للاستمرار أو الانقطاع ولكن المشكلة في علاقة الزواج تحديداً أن الطلاق أصبح في نظر الغالبية من الازواج والزوجات هذه الأيام حل وليس مشكلة وهنا يحضرني في هذا الصدد قول والدي لي أني إذا رأيت أي شخصين مستمرين وناجحين في علاقتهما فعليّ أن أعلم بأن أحدهما بالضرورة يغض الطرف عن أخطاء الآخر ويغفرها له شريطة أن تكون طبعاً أخطاء صغيرة يمكن تلافيها مستقبلاً ونحن لو تأملنا في هذا القول قليلاً لأدركنا مدى صوابه وواقعيته فنحن بشر أولاً وأخيراً خالين من صفة الكمال الأمر الذي يعني أن وقوعنا في الخطأ أمر حتمي ولكن ما يجعل علاقاتنا قابلة للاستمرار والنجاح هو امتلاكنا أولاً للقدرة على تجاوز الخطأ المحدودة تداعياته طبعاً مع الحرص على عدم تكراره وامتلاكنا ثانياً للقدرة على أن نغفر هذا الخطأ وأن لا نقف عنده كثيراً وأن لا نمنحه حجماً أكبر من حجمه الفعلي، المعضلة في هذا الأمر أنه أصبح نادر الحدوث في واقعنا الراهن على عكس ما كان عليه الحال في الماضي وقد يكون هذا السبب هو أحد أهم أسباب وقوع الطلاق في نظري، سبب آخر لوقوع الطلاق من وجهة نظري هو النظرة الرومانسية والمثالية حول شريك المستقبل التي أصبح يحكمها أحلام وتصورات وشروط عدّة عند أطراف علاقة الزواج لم تكن موجودة أو حتى مُتصورة في الماضي ممّا أفشل الكثير من الزيجات وعرّضها للجوء إلى الطلاق وأنا أرى أن هاذين السببين تحديداً هما أهم أسباب عدم استمرار العلاقة الزوجية عند الكثير في حاضرنا المعاصر.

ولقد ظهرت في هذا الزمن اجتهادات كثيرة لمحاولة علاج هذه الظاهرة والحد منها، اجتهادات لم تكن مطلوبة أو حتى مطروحة في السابق منها مثلاً مسألة التعارف قبل الزواج أو أخرى كعقد دورات تأهيلية لطرفيّ الزواج قبل الشروع فيه وجميعها أثبت الواقع إما أنها غير قابلة للتطبيق لأن المجتمع يرفضها بحكم معارضتها لضوابطه الشرعية وأعرافه المجتمعية وإما أنها أثبتت عدم جدواها عندما تم تطبيقها بالفعل ممّا جعل هذه الظاهرة تراوح مكانها بل أزعم أن حجمها أصبح يزداد تفاقماً واستفحالاً والدليل على صحة زعمي هذا هو ما أشرت إليه من وجود معدلات طلاق غير مسبوقة في واقع المجتمع السعودي أقرّت بوجودها مصادر رسمية موثوقة، الأمر الذي يُحتم علينا جميعاً النظر بواقعية لمسببّات وجود هذه الظاهرة حتى نتمكن من تقليص حجمها والحد من تداعياتها التي نتفق جميعاً على أن الكثير من الأسر أصبحت تعاني منها.

إن الحل في نظري لهذه الظاهرة لا يكمن في اختراع حلول ترقيعية كالتي ذكرت آنفاً والتي برهن الواقع على عدم فعاليّتها أو نجاعتها وإنما يكمن في العودة إلى معرفة العوامل التي كانت تُنجح علاقات الزواج في الماضي وتعززها وتضمن استمراريتها والقيام باسترجاع العمل بهذه العوامل ومنحها النظرة الإيجابية والقبول الذي تستحقه كما أن علينا أيضاً التخلص من جميع العوامل المستحدثة التي أدى منحها أهمية كبرى إلى تنامي ظاهرة الطلاق والنظر إلى الطلاق على أنه الحل الوحيد لجميع ما يواجه علاقاتنا الزوجية من مشاكل وعراقيل.

وأعلم جيداً أن البعض وربما الكثير قد يرى فيما طرحته من أسباب أدت إلى استفحال ظاهرة الطلاق في مجتمعنا إضافةً إلى رؤيتي المتعلقة بكيفية علاجها هو طرح متخلف وغير متوائم مع تطورات المرحلة ومستجداتها ولكني ومن تجارب شخصية وعائلية مقتنع تمام الاقتناع بما طرحته وأرى وبتجرد تام بأن مسبّبات الطلاق والسبيل إلى القضاء عليها هو تماماً ما ذكرت إلى أن يثبت لي بالبراهين والأدلة ما يؤكد خلاف ذلك.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق