مقالات رأي

الصّحوةُ من الصّحوةِ

هل تغيّر الدين ؟!

الدين ثابت لا يتغير, لكن الآراء البشرية هي المتغيّرة والمتجددة .. وهذا لا يعني التناقض بل هو النضج والوعي واتساع الفكر ..
وإن الحقّ دوما في جانب من دعا إلى العدل والإحسان والسلام والوئام واليسر والتيسير والسماحة ورفع الحرج وإحسان الظن بالناس .
لقد استقر في الأذهان – بكل أسف – أن المتشدد في الفتوى هو أورع وأتقى عند الله من الميسّر على عباد الله , وأن التيسير ناشئ من قلة الدين وضعف اليقين.
( التسهيل ) في الدين لا يعني ( التساهل ) , بل هو إرادة إلهية ومقصد شرعي وعلامة للاعتدال والوسطية .
لقد جاء الإسلام لتسهيل حياة الإنسان , مراعيا حاجته وضعفه , فإن الله لما خلق الإنسان من ضعف وفي ضعف قابل ذلك الضعف بالتخفيف ( يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا ) , تصلي قائما فإن لم تستطع فجالسا , فإن لم تستطع فعلى جنب , تتوضأ بالماء فإن لم تستطع فتيمم صعيدا طيبا , تصوم رمضان فإن لم تستطع فعدة من أيام أخر , تحج البيت الحرام إن استطعت إليه سبيلا … كل ذلك حتى تعلم يقينًا أن اليسر هو السّمة الغالبة على الشرع , ( ولو شاء الله لأعنتكم ) أي : لأوقعكم في الضيق والعنت والشدة والمشقة, لكنه لم يشأ وهذا من رحمته سبحانه وتعالى .
يقول الإمام البخاري : اعتللت علة (خفيفة) في رمضان فعادني ابن راهويه في نفر من أصحابه , فقال لي : أفطرت يا أبا عبدالله ؟ فقلت : نعم ,
فقال : خشيت أن تضعف عن قبول الرخصة.

فجعل الإعراض عن رخصة الله ضعفا .. وبعضنا يجعله علامة على قوة التديّن فيشدد على نفسه ويضيّق عليها.. و ذلك من آثار الصحوة والخطاب المتشدد الذي كان سببًا في صدِّ الناس عن سماحة الإسلام واستطالة أهل الانحراف وردّة الفعل المعاكسة.. وإن نقدها اليوم ليس نقدًا للدين – كما يعتقدون – بل هو من أوجب الواجبات.
إن الصحوة الحقيقية هي: اليقظة والوعي.. من التقليد والتعسير إلى التجديد والتيسير, من الظلام والضلال إلى النور والاعتدال, إلى تقبّل المتغيرات وتفهّم الضرورات, من كل أنواع التيه إلى التسامح والتعايش مع الآخرين باختلاف أديانهم وألوانهم وأفكارهم.
هذه الصحوة الحقيقية التي تعيدنا إلى الإسلام الوسطي المعتدل ( الذي نعيشه اليوم في هذه البلاد المباركة ) بمنهج متوازن أكسبها مكانة مرموقة بين الأمم, وما زالت جهود ولاة أمرنا – حفظهم الله – متواصلة في مسيرة الإصلاح الديني والدنيوي لتحقيق الاعتدال ومحاربة التطرف بكل صوره.. فقد حان وقت الصحوةُ من الصحوةِ لنحيا بسلام .

 

@naif_alfaisal

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى