الحياء فرض وفضل

من حِكم الله تبارك وتعالى أن يقع أبونا آدم وزوجه -عليهما السلام- في حبائل الوسواس ، فارتكبامحظورا سبق أن نهاهما عنه الخالق -عز وجل – وحذرهما من الاقتراب من تلك الشجرة والأكل منها ،ولكن الشيطان وسوس في نفس آدم و زين له النصيحة بأمرين جبلت النفس البشرية على حبهماألا وهما الخلد والملك ، وما كان من ابليس إلا أن برهن على زعمه بالاستفهام والتساؤل عن سبب النهي  و التحذير من تلك الشجرة لو لا ان فيها سرالخلد والملك الذى لا يبلى. مؤكدا لهما بالقسم على حسن نيته و صدق نصحه، فأكلا منها ،  فسقطت كسوتهما وبانت لكل منهما سوءة الآخر ، فطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة … إنها فطرة الحياء التي استودعها الخالق عز وجل في نفس آدم وزوجه عليهما السلام وذريتهما من بعدهما ألا وهو التستر والحياء( وطفقا يخسفان…. )

الحياء والتستر من صفات الأنبياء والصالحين ، فسيدنا موسى عليه السلام كان لا يظهر من تحت ثيابه شيء من جسده ،و كذلك النساء كن أشد حياء وأحرص على التستر بما يتناسب مع أنوثتهن وعفتهن، وما حدث من ابنة شعيب عليه السلام عندما اقبلت على موسى عليه السلام ( تمشي على استحياء) قال سيدنا عمر رضي الله عنه قائلة بثوبها على وجهها ليست بسلفع من النساء ولاّجةخراجة ) و كانت النساء الحرائر في الجاهلية يغطين وجوههن وما حدث من زوجة النعمان عندما سقط عن وجهها الغطاء فوضعت يدا على وجهها واعادت الغطاء بالأخرى  فقال النابغة:

سقط النصف ولم ترد اسقاطه      فتناولته واتقتنا باليد

العرب تنفر من كشف رأس المرأة ووجها فهو منهج فطري يحفظ للمرأة مكانتها ويرفع من منزلتها ويصون كرامتها من الامتهان وحتى لا تنهش عيون الغوغاء والمتطفلين من عفتها .

فالحياء فطرة فطر الله عليها بني أدم ، و لا يخالف الفطرة إلا من ضعف أيمانه وجف ماء وجهه ؛ فالحياء فرض لتجنب النواهي و فضل بمجانبة كل ما يضايق الناس في مجالسهم وأسواقهم و طرقاتهم و مساجدهم وفي أماكن معاشهم ، وما أكثر المناظر التي يضيق بها الصدر من بعض الأفعال والأعمال في تلك الأماكن ،وقد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم – على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء . فقال دعه فإن الحياء من الإيمان .  

العرب من أشد الأمم تمسكا بالمروءة والحياء في الجاهلية لأنهما من أخلاقهم الكريمة  التي بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم متمما لها ، وقد تعاملوا بقانون الحياء في ما بينهم و اعتبروه من المواثيق التي تصون السمعة والعرض و تسير عليه معاملاتهم مع الصديق والعدو ، فهم يتجنبون خوارمالمروءة دقها وجلها وما تعارفوا علية من شيم تحفظ لهم الذمم وتوثق خصال الكرم  والشمم ، فنجد في الحوار المشهور الذي دار بين أبي سفيان قبل اسلامه   رضي الله عنه و هرقل الذي بدأ بطرح صادق وأنتهى بتحليل منصف عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحياء أبو سفيان رضي الله عنه منعه من أن يكذب بقوله : فو الله لولا الحياء من أن يؤثر علي كذبا لكذبت.

ومن العجيب أن تأليف الكذب أصبح صناعة رائجة في الكثير من الوسائل كأي سلعة تلقى في سوق حرة بلا ضوابط يتاجر فيها كل من يجد نفسه مؤهلة لذلك  ، وكل هذا على حساب عقولنا و ثقافتنا و أخلاقنا، والتجليات المحسوسة ظاهرة للعيان لا تقبل التدليس فكيف يكون ذلك؟.

والادهى من ذلك الاصرار على الكذب و الاستمرار في تأليفه ونشره دون حياء ، و كأن المتلقي لا يعنيهم ولا وجود له ؛و من المؤكد بأن تغييبهم للمتلقي ناتج  عن صراع تغلب  فيه السلوك الأخلاقي المنحرف على الضمير الإنساني … فعندما سُئل الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث (وإن كان الحديث مرسل) عن صفات المؤمن حتى قال:( أو يكذب قال : لا  لا  لا)

وكم رأينا وسمعنا عن اصناف من الكذب والبهتان فشت في المجتمعات أهدافها دنيوية  قلبت روابط المحبة و الاخاء إلى كراهة وعداء وكم من اشخاص تاهت عقولهم في خضم الاحداث ونوازل الأيام فتغير بهم الحال إلى أسوأ الأحوال … ولأن العقل معقل الإدراك ومفرزة المنطق عند العقلاء ؛ وإنه لا يعقلتجاوز العقول بألا معقول ممن يدع  نضج الوعي ورجاحة الرأي ، فليس الرأي مقتصر على اشخاص دون غيرهم ولا رأي أوحد يمثل كل الآراء في مسائل قطعية بقالبها الثابت الذي لا يقبل القولبة حسب الرغبة ، فأصل تلك المسائل تعاليم ربانية جلية يعلمها كل مسلم سَلِم صدره من الشبهات و طَهُر قلبه من النفاق قال الشاعر :

إذا لم تخش عاقبة الليالي              ولم تستح فصنع ما تشاء

فلا والله ما في العيش خير            ولا الدنيا إذا ذهب الحياء

يعيش المرء ما استحي بخير          ويبقى العود ما بقي اللحاء

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق