بل أنا العبد المأمور .. يا أيها العبد المأمور

استوقفتني صورة محمد سعد الكتاتني في سجون السيسي .. تلك الصورة التي رُسمت بريشة الموقف وألوان الثبات .. استوقفني الشحوب المقهور الذي نال من كل قسمات وجهه لكنه استسلم أمام ابتسامة ثغره ونظرة عينيه الواثقة ..

لم يذهب تفكيري للطاغية السيسي ، ولا لرجاله المقربين ، بل اتجه كل تفكيري لذلك السجان الذي يباشر التعامل اليومي مع ذلك الجبل الشامخ وتلك الرياح القوية ..كيف لم تهتز فيه شعرة من ضمير !!!

لم أفكر حينها بالسيسي الذي انقلب على رئيس أحسن إليه ووثق به ، ثم فصلته جدر النعيم عن رؤية وجهه ووجوه الشرفاء معه في الزنزانة ، عن اﻹحساس بألمهم ، عن معايشة حزنهم ، وملاحظة مرضهم وبؤسهم .

انصرف تفكيري لتلك اﻷيدي التي يعربد بها الطاغية ، ويفسد بها المفسد ، ويقتل بها القاتل .. إنه ذلك الذي يبرر شناعة فعله بمبرر ” إنني عبد مأمور ”
إن مجتمعاتنا المسلمة لا تشكو من سطوة الطغاة ولا من ظلم أعوانهم فحسب ..بل تشكو من عبودية استقرت في قلوب شريحة كبيرة من المجتمع ..فجعلتهم أدوات للبطش ..وخناجر للذبح.. ومعاول للهدم .. يشربون دماء اﻷبرياء ويحسون لزوجتها في أفواههم ليرتوي غرور أسيادهم ..وتتلطخ أيديهم ووجوههم منها لتعلو نضرة التنعم والارتياح وجوه أسيادهم !!

يستنشقون أنفاس المقهورين التي اختلطت برائحة البؤس ليتنعم أسيادهم بين الخمور والعطور .. تلتصق في ذاكرتهم أنات المعذبين وملامح اﻷلم في وجوههم لتصل رسالة ﻷسيادهم مفادها ” كل حاجة تمام يا أفندم ” يتواجدون حيث يحضر ملك اليوم يقبض أرواح ضحاياهم وهم ينظرون ..لتصل تلك اللحظات القاسية في عبارة بشرى أو تهنئة أو حتى خبر لا يحمل شيئا من مشاعر اﻷلم سوى حقيقة ” مات السجين ” فيستنشق الطاغية الخبر مع سيجارته ثم ينفثه مع دخانها ..

وتبقى في ذاكرتكم ( أنتم أيها العبيد المأمورون ) تلك الصور التي تنغص عليكم حياتكم رغم مكابرتكم .. لا تجدون وسيلة لطردها إلا بطرد إنسانيتكم والقضاء على بقايا ضميركم لتنحدروا أكثر وأكثر في هاوية عبوديتكم .. ومهما أكثرتم طرد تلك الذكريات ستباغتكم في كل لحظة ضعف ، وستعظم مع كل لحظة خيبة ، وستتجسد خوفاً هائلا مع كل إحساس بالخوف ..ولن تغيب ..لن تغيب ..لن تغيب..عن أعينكم وأنتم تعايشون نفس اللحظات التي تنتظركم لا محالة ..

تعسا لكم من عبيد .. قدمتم ﻷسيادكم الدنيا واﻵخرة ..ثم لن ترضوهم ..سيتبرؤون منكم بين يدي مولاهم ..وتفوت عليكم فرصة الانتقام ..وتبقى لكم مجرد أمنية تستحيل حسرة ” وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منها كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم ”

تعسا لكم من عبيد .. تتقاسمون الحياة مع العبيد تحت أسقف السجون .. فيقضون ليلهم بالتضرع لربهم وتقضون ليلكم بالتعذيب لهم تقربا لسيدكم ..
تبتغون الدرهم بحرمانهم الطعام والدواء .. ويبتغون الجنة بالصبر عليكم .. ولو دخلت في قلوبهم ذرة من جبال العبودية التي في قلوبكم ﻷصبحوا سادة لكم يسومونكم سوء العذاب ..لكنهم لم يرضوا بغير عبودية ربهم مهما كان الثمن .. عبيد أذلاء ..بل كاذبون..تبررون جرائمكم باﻹكراه ..ولو كنتم مكرهين لذبلت أجسادكم همّا كلما ذبلت أجساد المظلومين ..ولاقتسمت وجوهكم ملامح البؤس مع وجوه المقهورين .. ما أكذبكم .. لو كنتم مجرد مأمورين لاسترقتم غفلات أسيادكم لمراقبة رب أسيادكم .. ولهبت من جحيمكم القسري نسمات رحمة اختيارية تهب على إخوانكم .. إنكم عبيد ..نعم.. عبيد.. وجدتم أنفسكم تحت اقدام الطغاة .. وانطلقت مواهبكم الوحشية بمباركة الطغاة .. يا أيتها الحشود الزاحفة .. التي توشحت عزة المبدأ وقت الغلبة ..ثم تغطت بذلة العبودية وقت اشتداد الكرب .. تبا لمن داهن الباطل وقد أظهر ولاءه ودعمه.. ثم انزوى خلف غطاء العبد المأمور ليخفي خسته وجبنه وضعفه .. تبا لكم .. تبا لمن كان سيده هو (اﻷقوى) ..تبا لمن كان سيده هو( اﻷغلب )..حتى إذا اطمأن لتمكنه قدم له القرابين من أفئدة اﻷسر الشريفة.. نسائها وأطفالها .. ومن أجساد الرجال المخلصين

يا أيها المتساقطون .. يا أيها المبررون .. أحرقت جلودكم شمس الحقيقة وأنتم تظللون أسيادكم .. حتى إذا زادتكم الحروق رهقا ..ارتميتم على الطريق تتمتمون بشعار العبد المأمور .. أيها العبيد الذين اختاروا العبودية ..ثم تذرعوا بها ..لولا عبوديتكم ما كان لكم الطغاة سادة .. يا شرفاء مصر ..أنتم السادة الذين لم يملك منكم الطغاة شيئا ..لا قلبا ولا قالبا .. لم يملكوا منكم كلمة ولا توقيعا ولا موقفا ولا استسلاما ولا حتى نظرة انكسار أو استجداء ..حتى أجسادكم الحرة غزاها الضعف والمرض ﻷنها خصم الطاغية لا ( ملكه ).. هل يعي ذلك العبيد !! ..ﻷنها خصم الطاغية لا ملكه..لم يسمنها ويرعها ويستعملها كما يرعى( ملكه) من أجساد بشرية وحيوانية .

لقد ذبلتم يا شرفاء مصر لتبقى حيوية اﻷمل.. ووهنتم لتبقى فتوة الحرية ..ومرضتم لتتعافى بلادكم .. سيبصر ذلك الشرفاء فقط .. وستعمى عنه أعين العبيد ..أيها الكتاتني ..أيها البلتاجي ..يا مرسي .. يا كل شريف في مصر .. نعم العبد المأمور أنت .. امتثلت أمر مولاك ..فلم تغدر ولم تخن .. قل لسجانك : سيذكرني مولاي وينساك سيدك ..وينصرني مولاي وليس لسيدك مولى ولا نصير من دون الله.

قل لقاضيك : اﻷمر أمر مولاي وليس لسيدك من اﻷمر شيء .

قل لجنود الداخلية وبلطجيتها : لدى مولاي من النعيم المقيم الذي أعده للصابرين ما لا يملكه سيدكم .. لنا الله أيها العبيد ولكم أسيادكم الهالكون .

قل لهم : لقد نبتت لحومكم من ظلمي ..وهنأت أسركم بقلق أسرتي .. واضطربت مصر لتستقروا ويستقر سيدكم ..

تبا للطاغية المغرور ، ولعبده المأمور ، ولجنده المسعور ، تبا للقاضي المخمور ، تبا للقلم المأجور ، والشيخ المأجور. ..

وسأبقى أنا ..العبد المأمور..الذي يتلقى أوامره من ربه ..أرفض صفقاتكم ﻷني عبد مأمور ..أقاوم ظلمكم ﻷني عبد مأمور ..

سأبقى العبد المأمور ..الذي يحيركم بثباته ، ويغيضكم بصبره ، ويغلبكم بيقينه ، ويهلككم بما فعلتموه معه ” وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ”

ختاما .. أيها العبد الشريف المأمور ..كتبتُ كلماتي تذكرة بقضيتك ، ونصرة لك بما لدي من حيلة ..ﻷني مثلك عبد مأمور ..أمره الله بنصرة الحق ونصرة المظلوم ..كتبتُها لكل عبد شريف مأمور .. لا تنسوا قضية إخوانكم ونصرتهم بما تستطيعون .

بقلم / منى الشهري سوط حريري
@munacam

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق