تطاول الفقراء على كبار العلماء

لطالما مثّل الدين في مجتمعنا الركيزة الأساسية التي تقوم عليها معظم إن لم أقل جميع التشريعات والقوانين المعتمدة في سلوكياتنا وممارساتنا الوطنية سواءً في الشأن الداخلي أو حتى في الشأن الخارجي وذلك نتيجة العاطفة الدينية الجامحة التي تتمتع بها الغالبية العظمى من سكان هذا البلد ورغم أن هذا التشخيص أوجد ايجابيات كثيرة إلا أنه تسبب أيضاً للأسف في وجود سلبيات أخرى كثيرة نتيجة عدم الفهم الشرعي الصحيح للدين ومقاصده ومنبع هذا التناقض هو عدم وجود تجانس مجتمعي كامل حول هذه المفاهيم الشرعية وكيفية التعامل معها وتطبيقها ممّا سبّب بلبلة شديدة عند الكثير من شرائح المجتمع والمتسبب الوحيد في وجود هذه البلبلة هم ما أسمّيهم أنا “الفقراء دينياً” وسأوضح ما أعنيه بمصطلح الفقراء دينياً لاحقاً.

إن مجتمعنا يشهد تجاذبات حادة بين شريحتين محددتين فقط وهم الذين ينطبق عليهم وصف الفقراء دينياً الذي أشرت له آنفاً فهنالك شريحة تزعم أنها تنافح عن الدين وثوابته وتزعم أنها تقود لواء الحفاظ عليه ومنع أية مؤثرات يرونها سلبية قد تؤدي إلى الانتقاص منه واضعاف مدى تمسك والتزام كافة المجتمع به وهم في الغالب إما أنهم مقتنعون بأفكار ومفاهيم دينية مناهضة للوسطية التي فطر الله المسلمين عليها والتي تنتهجها قيادة وشعب هذا البلد ممّا يجعلهم بالتالي يهاجمون كل من يحاول الاجتهاد والتجديد في بعض المفاهيم الرجعية التي اعترف كبار علماء هذا البلد بوجودها والتي أيضاً تراجع عنها غيرهم من الدعاة ممن كانوا يؤمنون بها ويشجعون عامة الناس على التمسك بها والدفاع عنها وإما أنهم لم يبلغوا مبلغاً كبيراً مشهوداً له من العلم الشرعي يمنحهم الحق في إصدار مثل هكذا تخوفات وتوجسات وترهيب الناس من مخاوف ما أنزل الله بها من سلطان.

أما الشريحة الأخرى فهي شريحة لا تعرف من الدين إلا القشور ولا تمتلك مخزون ديني يؤهلها لأصدار أحكام الحلال والحرام والتي أصبحت عندهم حق مشاع يصولون ويجولون فيه دون أن يستندوا في ذلك على أية أدلة شرعية قطعية الدلالة حتمية الثبوت تساعد المجتمع على تقبل آرائهم وأفكارهم وتوجهاتهم، الأمر الذي تسبب في ضياع بقية المجتمع المعتدل الوسطي بين هؤلاء وهؤلاء وأصبح غالبية المجتمع في حيرة من أمره حيال أي هاتين الشريحتين أولى بالإتباع وأولى بالالتزام بمنطقها وفلسفتها الدينية وأيهما أقرب للصواب.

المؤلم في هذا الشأن أن كلا الشريحتين لا ترى أي بأس أو حرج في التطاول والانتقاص من علماء رسميون اعترفت بهم الدولة كعلماء يمثلون المرجعية الرئيسية لكل من لديه أشكال شرعي حول أمر معين استجد يريد الاستدلال على رأي الدين فيه أو لكل من يرغب في الحصول على فتوى يلتمس فيها نجاته ونجاة إيمانه وضمان سلامة دينه ودنياه.

إن هذا التضارب خطير جداً أولاً على الدين قبل أي أمر آخر ثم على أمن وسلامة وطمأنينة أفراد المجتمع ومعاملاتهم لذا وإدراكاً من الدولة لخطورة هذا الأمر فإنها اضطرت مكرهة إلى التدخل المباشر في هذا الشأن وأمرت من تثق فيهم من كبار العلماء ويثق فيهم قبلها المجتمع بالتصدر للمشهد الديني الرسمي والشخصي ومنعت الكثير ممن يدّعون العلم الشرعي من الخوض في إحداث أية بلابل وفتن دينية سبق وإن اعتادوا استسهال ممارستها والدعوة إليها.

ما يجب أن نعلمه جميعاً أن أمر الدين أمر خطير جداً لا يجب التساهل فيه ولا يجب السماح بإصدار فتاوى غير مجمع عليها، فتاوى يؤدي الالتزام بها أو التمسك بها إلى إنشغال المسلم بمدى صواب ما ألتزم به وهل سيكون مآله إلى جنة أم إلى نار لذا يجب علينا جميعاً التروي وعدم التسرع والتثبت وإحضار الدليل الذي لا خلاف عليه قبل التطرق للحكم في أي أمر من أمور الدنيا والدين علّنا بإذن الله نكون نتيجة ذلك في ركاب رسول الله وصحبه.

 

@mr_ahmedgroosh

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق