المقيم واللاجئ بين العيش الكريم وإنكار الجميل

جميع بلدان العالم تشترك في الكثير من الأمور ومن بينها وجود سكان فيها من غير أبناء جلدتها دفعهم للذهاب إليها أمور شتى وأهم هذه الأمور هو السعي لتوفير حياة أفضل لهم لم يتمكنوا من توفيرها في بلدانهم الأصلية إما لضيق ذات اليد في بلدانهم وإما لأن البلدان الأخرى بما تحتويه من مزايا وإمكانات تمنحهم فرص تحقيق مساعي وأحلام لم يتمكنوا أو لن يتمكنوا من تحقيقها في بلدانهم الأصلية وما يعنيني نقاشه في هذا الأمر تحديداً هو قياس مدى شعور المقيمين في بلدان غير بلدانهم بالامتنان والتقدير من عدمه لهذه البلدان التي لجئوا إليها أو أقاموا فيها سواء بصفة مؤقتة أو دائمة ومدى تقديمهم الشكر والعرفان لها على ما منحته إياهم من عيش كريم وحياة أفضل.

إن نقطة البحث هنا ليست الحديث عن تخلي الانسان عن ثوابته وقناعاته حتى لو كانت خارج سياقها الصحيح كما هو الحال في معظمها أو حتى تخليه عن ولائه وحبه لبلدانه الأصلية وإنما الحديث عن مدى إظهاره واقتناعه بضرورة إنصاف البلدان التي يلجأ إليها أو يقيم فيها وعدله عند حكمه عليها وتقييمه لها.

لقد أقمت في دولة غربية لمدة ليست باليسيرة عايشت خلالها الكثير من الاجناس والاعراق أثناء إقامتي فيها ووجدت أن الغالبية العظمى ممن لا يظهرون الشكر والعرفان لها نظير كل ما تقدمه لهم والذي أعلم جيداً أنهم لن يحققوا عشر معشاره في بلدانهم الأصلية هم “العرب المسلمين” دون أدنى مبالغة أو تجني حيث تجدهم رغم تمتعهم بحقوق وامتيازات لا يستطيع معظمهم حتى الحلم بها في بلدانهم الأصلية يسبون ويشتمون هذه الدولة وينتقدونها متناسين أو متجاهلين كل ما قدمته لهم من حياة كريمة وامتيازات بل نجد أن الأمر تجاوز السب والشتم ووصل حد العنف والقتل مما خلق وأوجد انطباع سلبي جداً عنهم وعن عقائدهم لدى شرائح عدة في ذلك المجتمع وقد يقول قائل أن دوافع ذلك وأسبابه هو وجود تجاوزات سياسية أو عسكرية عدائية تقوم بها هذه الدولة أو تسعى للقيام بها ضد بلدانهم الأصلية ولكن يغفل هذا القائل عن قول الله عز وجل: “وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ” وأيضاً قوله تعالى: “هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ“ ونحن لو سلّمنا جدلاً بجواز اعتماد هذا العامل في تقييم هذه الدولة أو تلك (رغم أنه لا يجوز لنا شرعاً كمسلمين التسليم بذلك حسب التوجيهات الربّانية المذكورة آنفاً) فأننا لم نجد من معظم “العرب المسلمين” الذين يقيمون في دول عربية اسلامية يُقرّون بأنها لم تعاديهم ولم تتربص بهم بل على العكس من ذلك وفرت لهم الملاذ الآمن والسعة في العيش والطمانينة وراحة البال التي يفتقدوها في بلدانهم الأصلية إلا كل بغضٍ وغلّ وإنكارٍ للجميل ممّا يجعلنا نصل لقناعة ثابتة بأن إنكارهم للجميل لا علاقة له به بالعداء الذي قد تواجهه بلدانهم من قبل هذا الطرف أو ذاك والذي يتم استخدامه كمبرر يشفع لهم جحودهم وإنكارهم للجميل معه وإنما هي فقط عقدة الحقد والبغض المتأصلة في نفوس هؤلاء تجاه كل من منحه الله امكانات ومقدرات الله أوجدها سبحانه عنده وحرمهم منها لحكمةٍ لا يعلمها إلا هو جلّ في علاه.

أخلص أخيراً إلى القول أن سبب هذا الحقد والتعدي وإنكار الجميل دافعه الرئيس هو بعد هؤلاء وأمثالهم عن الالتزام بالتعاليم الاسلامية الحقة أو فهمهم المغلوط لها في أحسن الأحوال ولن يستقيم هذا الإعوجاج إلا بعودتهم للفهم الصحيح للإسلام وتطبيقهم له على الوجه الذي يُرضي الله أولاً عنهم ثم ثانياً يُرضي بقية الخلق عنهم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق