عندما تصبح الوظيفة كابوس

من حيث المبدأ، النجاح قيمة روحية وأدبية وطموح مشروع لأي شخص وحق من حقوقه أن يسعي لتجسيده واقعًا بل والتفاخر به طالما ظل هذا النجاح والسعي لتحقيقه منضبطًا بالضوابط الأخلاقية والمهنية والأعراف التي تشرعنها البيئة التي يعيش فيها أو يتواجد بها هذا الشخص.

ولكن..

إن من أكبر عراقيل ازدهار وتطور بيئتنا المهنية غياب المهنية عنها وإحلال الاحتكام فيها إلى “المحسوبية” و”الشللية” بديلًا عن الاحتكام “للقدرات” و”المهارات”، وأيضًا جَعل العلاقات الشخصية هي الثابت الذي لا يتغير في بيئة العمل رغم أنه لا مانع أدبي أو مهني من وجودها شريطة أن تتوفر فيها المتطلبات المهنية والإبداعية والالتزام فيها بإعمال مبدأ التنافس الشريف عند إجراء المفاضلة بين الموظفين.

المحبط أن هذه الأمور هي أبعد ما تكون عن واقعنا العملي، مما نتج عنه انخفاض كبير في القدرة على المحافظة على جودة العمل عند منتسبيه، وكذلك تردّي قيمتهم النوعية والإنتاجية وانخفاض إسهامهم في التطوير والتحديث الذي من المفترض أن يكون هو الهاجس الرئيسي لدى صُنَّاع القرار وأصحاب المناصب والأدوار العليا.

إن ما حفزني للكتابة حول هذا الموضوع أمرين مهمين؛ أحدهما “معلوم” سأمرّ عليه مرورًا عابرًا في ثنايا حديثي لاحقًا، والآخر “منقول” يلخصه مقالٌ اطلعت عليه سأتحدث عنه أولاً، يروي هذا المقال قصة مدير دائرة معينة مع أحد موظفيه الذي شهد له المدير في مقاله بحجم إنجازاته القيّمة ومهاراته التي أسهمت في رفعة شأن إدارته وذَيَعان صيتها وسعي الإدارات الأخرى للاقتداء بها، إلا أن هذا الموظف كان لديه سلبيات انضباطية في عملية الحضور والغياب، مما دفع هذا المدير إلى التضييق كثيرًا على هذا الموظف، الأمر الذي قاد الموظف ودفعه في النهاية لتقديم استقالته من جهة عمله، وبعد تحقق هذا الأمر لاحظ المدير انخفاضًا كبيرًا في إنجازات إدارته وتدني سمعتها وغياب الإنتاجية المميزة المعهودة عنها، والتي كانت أحد أهم عوامل وجودها وجود ذلك الموظف المستقيل، وحينها أدرك ذلك المدير حجم الضرر الذي سببه سوء تعامله مع سلبيات ذلك الموظف حين تناسى وجود عامل بشري مهم كان يجب عليه مراعاته والانتباه له وهو أننا جميعًا بشر نخطئ ونصيب، وأن غضّ الطرف أحيانًا عن بعض السلبيات فيه مصلحة كبيرة وقد تزول هذه المصلحة بزوال عوامل الحكمة والموضوعية عند التعاطي مع مثل هذه السلبيات، وأن تَبَنِّي مبدأ الشخصنة البحتة والنظر للنظام على أنه توجيه جامد لا يقبل ولا يعترف بالاستثناءات يجعل من الطبيعي أن تكون محصلة تطبيق هذا النظام النهائية بالطريقة التي اتبعها هذا المدير مثل هذه المُحَصِّلة التي أصبح يُعاني من عواقبها المدير نفسه كما ذكر في مقاله.

وللتدليل على عدم صحة نظرة الكثيرين من أصحاب القرار حيال إصرارهم على الالتزام الحرفي بنصوص النظام وإهمال تطبيق روح النظام، هو وجود القران الكريم ذاته الذي هو خير توجيه وخير نظام عرفته البشرية، والذي نراه يَعُجُّ باستثناءات ورُخَص جَمَّة يحث على مراعاتها ربنا جلَّ شأنه، بل يأمر في أحيان كثيرة بالالتزام بها والعمل بمقتضاها في مخالفة صريحة وواضحة لا لَبْس فيها لما هو سائد ومعمول به لدى الكثير من المسؤولين عند زعمهم أنهم يطبقون النظام.

إننا يجب أن ندرك جميعًا رؤساء ومرؤوسين أننا نتعامل مع بشر غير كاملين وليس آلات مصممة تقنيًا لتقوم بأدوار محدّدة مناطٌ بها تنفيذها حرفيًا، كما يجب أن نعلم بأن التيسير وعدم التعسير هو قبل أن يكون مطلبًا مهنيًا هو مطلب شرعي؛ فالحديث الشريف الذي يقول “يسّروا ولا تعسّروا” هو خير دليل على ذلك، فلا يمكن أن يطلب منّا الشرع تنفيذ أمرٍ ما ثم توحي تصرفاتنا وكأننا نقول إن تطبيق نقيضه هو الأصوب والأجدر بالاتباع.

وخلاف عامل التضييق محور الحديث السابق، يوجد عامل آخر لا يقل عنه أهمية أشرت إليه في بداية المقال، وهو يتعلق بمسألة مهمة يغفل عنها الكثيرون في الحياة الوظيفية؛ وهي معاناة “التهميش والإقصاء” التي يختصر التعبير عنها من يعانيها بقوله إنه من المؤلم أن يتعب الإنسان في دراسته وعمله بغضّ النظر عن أي تقصير قد يبدر منه ثم يفاجأ بأنه أصبح لا يمثل لإدارته سوى موظف يقوم بأداء دور متواضع معين يُكتفى به رغم علم من أمر به جيدًا بأن هذا الدور لا يوجد فيه أي تناسب إطلاقًا مع قدرات هذا الموظف ولا مع مؤهلاته، كما أنه لا يتناسب إطلاقًا مع إمكانياته وطاقاته التي أثبت الموظف نفسه عمليًا وبشهادة جميع من يعرفه جيدًا وسبق أن تعامل معه مدى جودتها وتميزها والتي من المفترض أن تشفع له عند من يرأسه عند حدوث أي تقصير منه، بل يجب أن تجعل من يرأسه يتبنى العمل بمقتضى “غضّ الطرف” ولو قليلًا حين تصدر عَنْ مثل هذا الموظف تحديدًا بعض السلبيات التي بإمكان المدير التعامل معها بحكمة ومعرفة أسبابها ودوافعها حتى يتمكن من معالجتها والقضاء عليها أو على الأقل تحجيمها قدر المستطاع.

أخلص في النهاية إلى القول بأن من أهم عوامل تحطيم “مجاديف” أي موظف طموح يحلم ويسعى لتحقيق الأفضل دائمًا هو تعرضه لأحد هذين العاملين أو كليهما؛ “التضييق الشديد أو التهميش والإقصاء” فكلا العاملين أحدهما “يلعن” الآخر.

وأختم أخيرًا قائلًا إن مثل هذا النهج في التعامل مع الموظف لا بد وأن يدفع هذا الموظف أو ذاك إلى أن يصبح هاجسه الوحيد وشغله الشاغل هو فقط متى يأذن الله له بالتخلص من هذه الوظيفة ومتى يأذن الله بسرعة تحقق هذا الخلاص.

كلمات البحث

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق