مقالات رأي

العلمانية والليبرالية … وهم أم حقيقة؟

هل العلمانية والليبرالية حقيقة أم خيال؟ وإن كانت حقيقة فهل هي مطبقة بالضبط كما هي مدونة في الكتب؟ وأخيرًا إن كانت فعلًا مطبقة كما نُصّ عليها في الغرب فهل هي فعلًا قابلة للتطبيق في مجتمعنا؟

سأحاول الإجابة على هذه الأسئلة بإجابات مستندة إلى تجارب حقيقية كنت أنا إما شاهدا عليها وإما لدى أحد أطرافها تجارب دفعتني لتبنّي قناعات قد يرى فيها الكثير إجحافا كبيرا ومجافاة للصواب، إلا أني رغم ذلك سأعبّر عن هذه القناعات في ثنايا هذه الأسطر (دون أن أدّعي عصمتها) وأترك الحكم للقارئ.

لقد أُتيحت لي فرصة الإقامة لمدة تجاوزت الست سنوات في من تدّعي أنها زعيمة تيار العلمانية والليبرالية في العالم، وهي الولايات المتحدة الأميركية، وسأكتفي بها فهي الزعيمة كما تقول، فإن ثبت عدم صحة تبنيها الفعلي للعلمانية بشكل حرفي كما هو منصوص عليها فإن ذلك سينسحب بالضرورة على بقية الدول التي تزعم تبنيها للعلمانية، ولكن دعونا أولًا نجيب عن تساؤل مهم جدًا يتعلق بتعريف العلمانية والليبرالية كما سَطّرها مبتكروها؟ ثم نبني على إجابة هذا السؤال الإجابة على الأسئلة الأخرى التي ذكرتها أعلاه.

إن العلمانية ببساطة هي “مبدأ يدعو إلى فصل الحكومة والسلطة السياسية عن الدين ومؤسساته”، أما الليبرالية فهي “فلسفة سياسية أو رأي سائد ينادي بتطبيق مبدأين رئيسيين وهما الحرية والمساوة”.

وقبل الاستفاضة في الحديث عن هاتين النظريتين يجب علينا أولًا الاتفاق على اعتماد القاعدة المتعارف عليها علميًا والتي تُعتمد كوسيلة إما لشرعنة النظرية أو لنقضها، وهي ببساطة تقول إن أي نظرية يجب أن ترتكز على ثوابت محددة وفي حال صمدت جميع ثوابتها عند تناولها والبحث فيها فبها ونعمة، أما إن ثبت وجود قصور في تفعيل حتى ولو ثابت واحد من ثوابتها فإن هذه النظرية تسقط وتعتبر باطلة ولا يعتد بها ويصبح ادعاؤك تطبيقها محض ادعاء لا سند له ويكذّبه واقعك.

وهنا سأستشهد بعدة عوامل دينية تُسقط مبدأ تبني أميركا للعلمانية وبطلان زعمها بفصل الدين عن الدولة، ورغم أن إيراد عامل ديني واحد يُناقض مبدأ العلمانية في فصل الدين عن الدولة كافٍ لتحقيق المراد إلا أني سأورد أكثر من عامل ديني يعتمده الدستور الأميركي أو يعتمده ساسته سواء في أقوالهم أو في أفعالهم، وذلك لتعزيز غايتي المتلخّصة في إثبات أن العلمانية وكذلك الليبرالية غير مطبقة بحذافيرها كما هو منصوص عليها لا في الولايات المتحدة الأميركية ولا في غيرها.

فمن خلال بحثي المتواضع وتجاربي الحياتية التي عايشتها أثناء إقامتي في أميركا واطلاعي على معظم أعراف وتقاليد وقناعات المجتمع الأميركي لسنوات عدة، وجدت أن الدستور الأميركي ينص على أن اليمين الدستورية للرئيس أثناء عملية تنصيبه لا بد وأن تكون هذه اليمين مذيّلة دومًا بعبارة دينية لا لَبْس فيها، وهي بالإنجليزية: “So help me GOD” والتي تعني بالعربية: “فساعدني يا إلهي”، كما أن أداءها يستوجب استخدام الإنجيل أو Bible كما يسميه معتنقو الديانة المسيحية لتكتمل بروتوكوليًا، إلا أن في استخدام هذين الأمرين الدينيين مناقضة صريحة وواضحة لمبدأ العلمانية الأساسي القاضي بفصل الدين عن الدولة أو السياسة، ونص هذه اليمين الدستورية هو على النحو التالي وسأذكره بالإنجليزية أولًا ثم سأترجمه للعربية:

I do solemnly swear (on the Bible) that I will faithfully execute the Office of President of the United States, and will to the best of my Ability, preserve, protect and defend the Constitution of the United States … So help me GOD

وترجمته للعربية هي:

أقسم (على الكتاب المقدس) وأقرّ بأنني سوف أقوم بتنفيذ متطلبات منصب رئيس الولايات المتحدة بكل أمانة، وسأبذل كل جهدي للحفاظ على دستور الولايات المتحدة وحمايته والدفاع عنه… فساعدني يا إلهي.

وأنا لن أكتفي بهذا المثال فقط لأثبت زيف ادعائهم بتطبيقهم للعلمانية بل سأضيف مثالا آخر؛ وهو وجود عبارة دينية مكتوبة على العملة النقدية المعروفة بالدولار، الذي من المفترض كعملية رسمية للدولة ألا يتناقض محتواه مع مبدأ الدولة العلماني المزعوم، وتقول هذه العبارة بالإنجليزية: “In GOD we trust” وترجمتها للعربية تعني: “نثق بالله”، بالإضافة إلى أن هناك أدلة أخرى تؤكد مدى تغلغل العامل الديني في المجتمع الأميركي وسياسات قادته، ومن عايش المجتمع الأميركي عن قرب يدرك حجم تأثير هذا العامل الديني في سلوك الأميركان ومعاملاتهم، بل إنه سيجد أن تأثير العامل الديني وصل حتى إلى المؤسسات الحكومية الأميركية التي من المفترض أن تلتزم بمبدأ الدولة المزعوم، ومن بين هذه المؤسسات القضاء مثلًا، حيث إنك تجد القاضي يطلب من كلٍ من المدعي والمدعى عليه أداء يمين أو قسم يُختم في آخره دومًا بنفس العبارة الدينية السابق ذكرها، والتي تقول: “So help me GOD” وترجمتها للعربية كما سبق وأن ذكرت هي: “فساعدني يا الهي”.

لذلك فإننا نستشف من كل ما سبق ذكره من قرائن تدلل على أن الدولة التي تزعم أنها منارة ومركز للعلمانية عالميًا هي في الحقيقة وعلى أرض الواقع بعيدة عن ذلك في الكثير من سياساتها ومبادئها، وذكر هذه الحقيقة ليس من باب لا الدفاع عنها ولا الانتقاص من شأنها؛ وإنما لتقرير حقيقة بُعدها عن تبني المبدأ الرئيسي في العلمانية وهو إبعاد الدين عن السياسة أو الدولة الذي تدعيه فقط.

وإن الوحيد الذي يمكن أن نصدقه بأنه فعلًا يُقصي الدين عن السياسة هو الشخص الملحد فقط، أما ما عداه فلا يمكن تصديقه حتى نتمكن من إثبات أنه فعلًا يُقصي الدين عن سياسة دولته قولًا وعملًا، وأكتفي بهذا القدر في الحديث عن العلمانية لأنتقل بعدها للحديث حول الليبرالية.

إن دحض وجود الليبرالية في العالم أسهل وأيسر من دحض العلمانية، فتعريف الليبرالية الرسمي يرتكز على عاملين أو مبدأين يستحيل أن يتم تطبيقهما (على إطلاقهما) فعليًا على أرض الواقع لمنافاتهما للفطرة البشرية، وسأثبت ذلك، وهذان العاملان أو المبدآن هما “الحرية” و”المساواة”.

إن من يزعم بأن هناك “حرية” مطلقة هو شخص أقل ما يقال عنه أنه واهم؛ حيث إنه لا توجد دولة واحدة في العالم كله تطبق الحرية المطلقة كما هو منصوص عليها حرفيًا في تعريف الليبرالية المتفق عليه، ولتأكيد ذلك دعونا نناقش مسألة حرية التعبير مثلًا فإننا نتفق على أنها موجودة فعلًا وتمارَس بشكل علني دون أدنى شك، ولكن حين تهدد هذه الحرية أمن المجتمع وسلامته وتُعَرّض مسلماته الفكرية للخطر فإن هذه الحرية تُصادر وتذهب أدراج الرياح، مما يؤكد حقيقة أنه لا وجود لحرية مطلقة مجردة كما تبشر بها الليبرالية، مما يُسقط إمكانية تطبيق هذا المبدأ بشكله المطلق الخالي من أية ضوابط تحكمه.

أما بالنسبة للعامل الآخر المتعلق بالليبرالية والمُسمْى “بالمساواة”، فهي أيضًا مجرد حلم وأوهام نرجسية لا وجود لها على أرض الواقع كما تُعرفها الليبرالية؛ لأنها بكل بساطة تنافي الفطرة البشرية، ولا يوجد مجتمع واحد حاول أن يطبقها كما هي مُعَرّفة ونجح في ذلك، وأقرب مجتمع حاول فرض وأشدد على مفردة فرض “المساواة” بين كافة أفراد مجتمعه هي المجتمعات التي تبنت الفكر الشيوعي، ولكن دليل أنها تعارض ما فطر الله عليه البشر رأينا كيف أنها سقطت سقوطا مُدَويا بدءًا من معقلها الرئيسي وهو الاتحاد السوفيتي الذي آل أمره كما شاهد العالم أجمع إلى التفكك والتشرذم، وانتهاءً بمثيلاته من الدول، الأمر الذي أدى إلى تلاشي تلك الأيدولوجية إلى حد كبير، بل ووصل الأمر إلى تخلي أغلب معتنقيها السابقين عنها وعودة الكثير منهم للمسيحية الأرثوذوكسية، ولم يتبقَ من معتنقي مبادئ الشيوعية سوى قلة قليلة تعيش في محن التخلف والديكتاتورية ويحاربها العالم بأسره.

وأقول أخيرًا إذا كان هذا هو حال مَن نسميهم بالكفار مع هذين المبدأين، فما بالك بِنَا نحن السعوديين الذين نؤمن جميعًا بالله ربًا وبالإسلام دينًا، إلا أن الكثير منا ورغم إدراكهم لهذه الحقيقة إلا أننا نجدهم يُبادرون وللأسف إلى اتهام كل من يختلف معهم (في غير المسلمات) “بالعلمنة واللبرلة”.. جهلًا منهم بالتعريف الحقيقي للعلمانية والليبرالية، وحقيقة إنها نظريات أزعم بأني أثبت أنها غير قابلة للتطبيق في أي مكان في العالم، فما بالك بالسعودية معقل الإسلام الرئيسي، والجهل بهذه الحقيقة هو ما يقود الكثير من أطياف المجتمع إلى سَوْق هذه التهم ومحاولة إلصاقها بكل مَن يختلف معهم في الرأي، ولا أملك في الختام إلا أن أقول قاتل الله الجهل، كيف يهلك صاحبه، فالإنسان دومًا عدو ما يجهل.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى