Follow @alkhaleeg

أبي الذي رحل

 

عَنَّا ‏بعيداً وحدَهُ رَحَلْ
رَحَلْ…
ولم ينطِقْ ولو بكلمةٍ

وكانَ ذاتَ مَرَّةٍ
قد قالَ لي:
بُنَيَّتِي، حبيبتي،
اقتربي مني قليلاً،
وانظري للعَالمِ الفسيحْ

واسمعيني كي أحدثُكْ
عن الليالي الصامتةْ
عن النجومِ والقمرْ.

تدحرجَتْ من مقلتيَّ دمعتانِ ثم قلتُ:
نعم أبي،
نعم نعم يانظرَ العيونْ
فمَدَّ كَفَّهُ الحنونَ حتى لامسَ البنانُ وجنتي ..
أخذتُها بين يدي
جمعتها
قبَّلتُها
نظرتُ في عينيهْ
لِبُرهَةٍ بقيتُ صامتةْ
ليكملَ الحديثْ

فقال لي: بُنَيَّتِي، ياغاليةْ،
إعطيِ الجميعَ واحذري تنتظري العطاءْ
كوني كراحلٍ نحوَ الفضاءْ
كوني كنسمةٍ عليلةٍ…
ريحانةٍ أرِيجُهَا يعانقُ السماءْ .

فقلتُ: طبعاً ياأبي، فما عرفتُ دائماً
غيرَ العطاءْ
وأنتَ منْ عَلَّمتَني
جُودَ اليدينِ…
الحبَّ والسخاءْ
فقال لي: أسعدكِ المولى بُنَيَّتي، في كلِّ حينْ .

واليوم زارني خيالُهُ
والذكرياتُ
والأحاديثُ التي أصداؤُها
في مَسمَعي لَمَّا تزلْ
مُذْ كانَ يُلقِيهَا عَلَيَّ:
تارةً عن قصصٍ للأتقياءِ الأنقياءِ
وعن معاناةِ الحياةِ تارةً

وبعدها انتبهتْ
كأنَّما استقيظتُ فجأةً
من حلمٍ جميلْ
في عالمٍ بهِ تعانقَتْ أرواحُنا
وحينها تلاشى ذلكَ الحلمْ …

صرختُ: أينَ أنتَ ياأبي،
أوَّهُ ياأبي، أينَ رَحَلتْ؟
لقد رَحَلَ ..
نعم رَحَلْ…

أَفَقتُ من حلمي الجميلْ
وكم تمنيتُ بأنِّي لا أفيقْ

أبي، لقد تركتني لغيرِ رجعةٍ
والدمعُ من عينيَّ سالَ
مثلُ شلالاتِ ماءْ
والحلمُ ذابَ كالهشيمِ
والفؤادُ باتَ يعتصِرْ

أَوًّاهُ ياأبي،
كانتْ لحيظاتُ لقاءٍ حانيةْ
فيها بلهفةٍ تعانقَتْ أرواحُنا

أَوَّاهُ ياأبي،
حقَّاً لقد رَحَلتْ..
ذهبتَ دونَ عودةٍ
لكي تعيشَ تحتَ هذي الأرضِ
في سلامْ

لكنْ تركتَ في فؤادي غُصَّةً
لا تقبلُ النسيانْ

تركتَ جُرحاً غَائراً..
مرارةً في مهجتي
والجرحُ في مشاعرٍ مريرةٍ لايَلتَئِمْ

خلفَكَ ياأبي،
يبقى المكانُ فارغاً
إلاَّ من الحزنِ الذي
يعتصرُ الفؤادَ في المساءْ
وحجرةٍ باردةٍ
أرجاؤُها خاليةٌ إلاَّ من الصمتِ الرهيبِ
والمقعدِ الذي عليهِ طالما جَلَستْ
وفي جوارِهِ
سجادةٌ ومِسبحةْ

أَوَّاهُ ياأبي،
لقد فقدتُ قلبَكَ الحنونَ للأبدْ
والكلُّ حولي
بعدما رحلتَ عاجزونْ
عن مَلئِ ذلكَ الفراغْ

أَوَّاهُ ياأبي
فِرَاقُكَ المكانَ موجعٌ بلا حُدودْ
كم زفرةٍ تحدثَتْ عن وَصفهِ
وكم دموعْ!

وكم تجلجَلَتْ آهاتُ صدري
مثل صوتِ الإنفجارْ!

لقد تركتني في عالمِ الفراغْ
وفي ظلامٍ دامسٍ وموحشٍ
وباتَ للرحيلِ
بعدما وَدَّعتَنا
نزفٌ وحزنٌ مختلفْ

أبي الحنونُ، طبتَ حَيَّاً بيننا ومَيِّتَاً
فَنُمْ قريرَ العينِ
وارقدْ بسلامْ
واهنَأْ بدارِ الخلدِ
في ضيافةِ الكريمِ
حتى نلتقي .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق