الآثار القانونية لفيروس كورونا

بقلم : إبراهيم محمد الحديثي

نحمد الله على كل حال، نعيش هذه الأيام على أخبار فيروس كورونا، وانتشاره في العالم بسرعة غير متوقعة، مما ترتب عليه أن اتخذت حكومتنا الموفقة قرارات حازمة، وسريعة لمواجهته، إذ أوقفت إصدار تأشيرات لأداء العمرة لمن هم خارج المملكة، حتى لا ينتشر الفيروس بسبب من يأتي من الخارج، ثم منعها داخلياً، ثم تعليق الدراسة، ثم منع السفر إلى بلدان محددة انتشر فيها الفيروس بشكل كبير، ثم تعليق رحلات الطيران الدولي، تبعه تعليق الرحلات الداخلية، إلى أن صدر قرار هيئة كبار العلماء بوجوب الصلاة في المنازل.
ترتب على انتشار هذا الوباء قرارات اتخذت، ومجتمع تأثر، وتجار تضرروا، فماهو التكييف القانوني لآثار هذا الفيروس؛ هل قرار وزارة الداخلية بقفل المحلات العامة قرار إداري أم سيادي، وهل قرار تعليق الدراسة قرار حكومي أم إداري، وقرار هيئة كبار العلماء يدخل في وصف الظروف الطارئة أم قرار من عمل السلطة. هل يترتب تعويض لمن تضرر من هذه الكارثة، وإن كان فمن يدفعه؟
لنصل إلى قاعدة نسير عليها؛ من المفيد بسط المعرفة للقواعد الأساسية التي تحكم الكارثة، ثم نطبق عليها القواعد القانونية المترتبة عنها.
قبل أن نحلل الأحكام القانونية نشير إلى القواعد الدستورية المعمول بها في المملكة في ظل هذه الظروف.
القواعد الدستورية الخاصة بالحالات الاستثنائية في المملكة:
تعتبر القوة القاهرة والظروف الاستثنائية حالات طارئة، غير عادية تمر بها الدولة، أو جزء منها تجعل ممارسة الحياة العامة مستحيلة أو مرهقة، وقد تصل إلى أن تهدد كيان الدولة، أو تعيق الجهات الإدارية عن ممارسة مهامها. ولهذا قامت دساتير الدول بأخذ هذه الحالات في الاعتبار ووضعت لها قواعد دستورية لمواجهتها. ولأنها حالة استثنائية طارئة يفترض ألا تستطيع الأنظمة التي تطبق في الحياة العامة العادية في الدولة مواجهتها، بل قد تعجز عن استيعابها، كذلك يفترض أن تكون مؤقتة، مهما طالت مدتها، بحيث تمارس الحكومة الضوابط التي تحكم تلك الظروف في وقتها فقط، ولا تستمر بعد أن تنتهي. وعليه فإن حكومتنا اعزها الله اتخذت من الإجراءات ما تواجه به هذه الأزمة، بناءً على قواعد الشريعة الإسلامية، والمبادئ الدستورية الواردة في النظام الأساسي للحكم حيث نصت المادة الثانية والستون من النظام على أن (للملك إذا نشأ خطر يهدد سلامة المملكة، أو وحدة أراضيها، أو أمن شعبها ومصالحه، أو يعوق مؤسسات الدولة عن أداء مهامها، أن يتخذ من الإجراءات السريعة ما يكفل مواجهة هذا الخطر. وإذا رأى الملك أن يكون لهذه الإجراءات صفة الاستمرار فيتخذ بشأنها ما يلزم نظاما)، فللمك اختصاص إدارة أزمة الطوارئ التي قد تتعرض لها الدولة، بحيث يدير الأزمة إلى أن تعود الأمور إلى طبيعتها. وله بصدد ذلك أن يتخذ من الوسائل، والطرق، والاحتياطات ما يعينه على تجاوز هذا الحادث الاستثنائي، ولهذا فوض (مجلس المخاطر الوطنية) الذي يرأسه سمو ولي العهد، والذي صدر تشكيله بقرار المجلس رقم (87) وتاريخ 7 \ 2 \ 1440 هـ ومن مهامه (إجراء تقويم شامل للمخاطر الوطنية، وتحديد مواطن الضعف …)، وله إنشاء لجنة تنفيذية تابعة للمجلي برئاسة وزير الداخلية وعضوية خمسة وزراء، منهم وزير الصحة. وبناء عليه تم تشكيل لجنة بالأمر السامي رقم 35280 وتاريخ 26 \ 7 \ 1441 هـ تم تفويضها من الصلاحيات ما يكفل لها إدارة هذه الأزمة بمهنية واحترافية عالية، فاتخذت عدة قرارات ومن ضمنها – كما أشرنا سابقاً – تعليق العمرة، والدراسة، والصلاة في المساجد، والرحلات الدولية والداخلية، وقفل المحلات التجارية بعد الساعة الثامنة مساءً.
هل فيروس كورونا يعتبر قوة قاهرة أم ظروف طارئة:
وحتى نصل إلى إجابة لهذا السؤال نبحث اولاً عن تعريف القوة القاهرة ثم الظروف الطارئة.
أ‌. القوة القاهرة:
القوة القاهرة حدث طارئ، غير متوقع؛ تصعب السيطرة عليه، ويجعل تنفيذ التزامات الناس التعاقدية والوظيفية والعمالية مستحيلاً، بحيث تنشل – تقريباً- الحياة العامة للناس، مثل حالة حدوث حرب، أو زلزال، أو فيضانات، يترتب عليها استحالة ذهاب الموظفين إلى أعمالهم، أو الطلاب إلى مدارسهم، أو العمال إلى مصانعهم. ومن امثلتها حالة الحرب في سوريا، وفيضان تسونامي، أو الزلزال الذي حدث عام 1960 في مدينة اقادير في المغرب.
ويشترط في القوة القاهرة ألا تكون متوقعة، بل تحدث فجأة، حتى لو كانت لها إرهاصات سابقة مثل مناوشات قبل الحرب، والتهييج الإعلامي الذي يتوقع منه الناس أن قد تحدث الحرب. ويشترط فيها أيضاً عدم القدرة على التصدي لهذه القوة القاهرة، ودفعها، مثل فيضانات تسونامي حيث لم تكن لدى حكومة اندونيسيا القدرة على مواجهتها لحدوث الفيضانات بسرعة مدمرة. وزلزال مدينة اقادير الذي قلب المدينة في أقل من دقيقة. ويشترط لها أن تكون عامة يتضرر منها الجميع، وليست خاصة بشخص معين كأن تغرق سفينة تاجر في البحر.
ب‌. الظروف الطارئة:
الظروف الطارئة حدث طارئ، غير متوقع، يجعل التزامات الناس التعاقدية والوظيفية والعمالية مرهقة جداً، ولكنها ليست مستحيلة. وشروط الظروف الطارئة تشبه إلى حد كبير شروط القوة القاهرة في أنها لا تكون متوقعة بل تحدث فجأة، وأن سببها أجنبي لا يكون للدولة يد في حدوثها، وأن تكون عامة يتضرر منها الجميع، وليست خاصة بشخص معين كأن ينهار مبنى لتاجر. ولكن تختلف عنها في أن الظروف الطارئة لا تجعل الحياة العامة مستحيلة، بل يمكن للناس من ممارسة حياتهم، ولكن بصعوبة شديدة، فالذي حدث حاليا بسبب كورونا أن تم تعليق الدراسة في المدارس العامة والجامعات، ومُنع الطلاب والهيئة التدريسية من الذهاب للمدارس، وهذا قرار صعب، له تبعاته الكثيرة، وتكاليفه الباهظة، لكن التعليم لم يكن مستحيلاً، إذ تم الاستعاضة عن الحضور للمدارس بالدروس الافتراضية، والمحاضرات الالكترونية. ولذا لم يتسبب فيروس كورونا بجعل التعليم في المملكة مستحيلاً خلال انتشار الوباء، لكنه أصبح صعباً ومرهقاً. وفي حكمه رقم 35\د\أ\5\ لعام 1435 هـ اتجه ديوان المظالم على أن ظهور الأوبئة والأمراض المعدية من قبيل الظروف الطارئة.
وتختلف القوة القاهرة عن الظروف الطارئة من حيث النطاق، ومن حيث الآثار القانونية.
من حيث النطاق تكون القوة القاهرة – غالباً- في جزء من البلد، وليس كل البلد، فمثلاً الحرب في سوريا واقعة في أغلب بلاد الشام، لكن دمشق والمدن القريبة منها يمارس الناس حياتهم بهدوء بعيداً عن الحرب. كذلك سيول جدة عام 1426 هـ التي ضربت جزء من مدينة جدة. أما في الظروف الطارئة فالغالب أن الظرف الطارئ يكون عاماً يشمل رقعة كبيرة من البلد، مثل فيروس كورونا الحالي، منتشر في المملكة كلها، وليس في مناطق محددة، وقد تكون الظروف الطارئة في منطقة معينة، مثل حمى الوادي المتصدع الذي أثر على المواشي في منطقة جازان عام 1421 هـ.
الثاني من ناحية الأثر القانوني، ففي القوة القاهرة يكون تنفيذ الالتزام القانوني مستحيلاً، وبالتالي يفترض أن تُفسخ العقود، وتُلغى الالتزامات بسبب القوة القاهرة، أما في الطروف الطارئة فإنه رغم أن الالتزام يصبح مرهقا في تنفيذه إلا أنه يلزم التنفيذ، كما هو الحاصل في هذه الأيام حيث يمارس الموظفون أعمالهم من المنازل، ويدرس الطلاب دروسهم ومحاضراتهم عن طريق المنصات الإلكترونية.
ماهي نتيجة التفرقة بين القوة القاهرة والظروف الطارئة لدينا؟ نشير ابتداءً أنه تمت الإشارة إلى القوة القاهرة في عدة أنظمة سعودية فمثلا أشارت المادة (74) من نظام العمل على جواز فصل العامل بسبب القوة القاهرة كذلك أشارت لها المادة (28) من نظام الاستثمار التعديني، وكذلك المادة (37) من النظام الأساسي لرابطة الدوري السعودي للمحترفين، والمادة (18) من نظام الطيران المدني، والمادة (22) من نظام (قانون) الجمارك الموحد لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بينما أشارت للظروف الطارئة الأنظمة التالية: المادة السابعة والعشرون من نظام المواد الهيدروكربونية، والمادة الحادية والثلاثون من اللائحة التنفيذية لنظام الإفلاس وقد أشارت للقوة القاهرة، والظروف الطارئة، ونظام المنافسات والمشتريات الحكومية في المادتين السابعة والأربعون والحادية والخمسون.
وأعتقد أن القوة القاهرة لأنها تجعل الالتزامات مستحيلة أو تجعل العمل في الدولة مستحيلاً؛ أن الإعانة الحكومية المقدمة لمساعدة المتضررين من القوة القاهرة – وهذا رأي شخصي – ستكون أكبر من الإعانات التي ستقدم بسبب الظروف الطارئة لأن الالتزامات في هذه الأخيرة سيكون تنفيذها صعب ومرهق لكنها لاتزال قائمة، فمثلا شركات الطيران في سوريا تعطلت أعمالها تماماً في أعلب مدن الشام بسبب الحرب بينما توقف شركات الطيران في السعودية بسبب ظرف كورونا سيكون لمدة معينة، وبعدها سوف تستأنف أعمالها، لذا أعتقد أن المساعدات الحكومية التي ستقدم للمتضررين بسبب القوة القاهرة ستكون أكبر من تلك التي ستقدم بسبب الظروف الطارئة.
قرار حكومي أم إداري:
لإدارة أزمة كورونا صدرت عدة قرارات من الجهات المختصة لمواجهة هذا الوباء، فتم تعليق الدراسة، ومنع العمرة الداخلية والخارجية، ومنع الرحلات الدولية والداخلية، ثم منع الصلاة في المساجد، وتم إغلاق المحلات التجارية من الساعة الثامنة مساءً حتى السادسة صباحاً، فهل هذه القرارات التي حدثت قرارات إدارية أم حكومية، بمفهوم آخر هل هي قرارات سيادية أم قرارات عادية.
لنقرر ما نوع تلك القرارات يلزم إلقاء الضوء على هذين النوعين من القرارات.
القرار الإداري قرار تتخذه جهة الإدارة بمناسبة ممارسة عملها اليومي، لتحقيق أهدافها الواردة في نظامها الداخلي؛ تهدف من هذا القرار إنشاء مركز قانوني أو تعديله أو إلغاءه. وتستهدف الجهة الإدارية المصلحة العامة في إصدارها لقراراتها. فعندما تقوم الجهة الإدارية بتنفيذ الأنظمة واللوائح بقصد تسيير أعمال تلك الجهة فإنها تصدر قرارات إدارية عادية تساعد على تحقيق أهدافها. وهذه القرارات عرضة للإلغاء عن طريق المحكمة الإدارية، إذ يحق لكل من صدر بحقه قرار إداري أن يتوجه إلى ديوان المظالم يطلب إلغاء ذلك القرار.
أما القرارات السيادية فإنها قرارات تختلف في طبيعتها وأهدافها، وطرق إصدارها عن القرارات الإدارية. القرارات السيادية أو قرارات أعمال السيادة نشأت في فرنسا بعد الثورة الفرنسية، ثم تبنتها الدول، ومن ضمنها النظام الإداري السعودي حيث نصت المادة الرابعة عشر من نظام ديوان المظالم على عدم جواز ديوان المظالم النظر في الدعاوى المتعلقة بأعمال السيادة. وبالتالي عدم اختصاص الديوان بنظر القضايا المتعلقة بأعمال السيادة. وهي قرارات تصدرها السلطة التنفيذية باعتبارها سلطة حكم، بقصد تحقيق مصلحة عامة تهم المجتمع ككل، أو بقصد حفظ الأمن العام أو السكينة العامة، فهي تنصب لتحقيق مصلحة الدولة العليا. ولذا نصت المادة الثانية والستون من النظام الأساسي للحكم على أخطار جوهرية تتعلق بوجود الدولة ككيان، أو تتعلق بزعزعة الأمن الداخلي أو إعاقة الجهات الحكومية عن أداء مهامها، فهي ظروف استثنائية ينبغي أن تقابلها قرارات استثنائية لتستطيع السيطرة عليها. هذه القرارات هي أعمال السيادة أو القرارات التي تتخذها الحكومة بصفتها سلطة حكم، وليس باعتبارها جهة إدارة.
وليس هناك تحديد لأعمال السيادة، ولا تعريف لها في الأنظمة السعودية وإنما هناك عدة معايير وضعها فقهاء القانون لعرضها على القرارات الإدارية وتحديد ماهو الإداري منها من السيادي، ولا نريد أن ندخل في تفاصيل هذه المعايير وإنما نشير إلى أن ديوان المظالم يأخذ بمبدأ الباعث السياسي للقرار لاعتباره من أعمال السيادة، فالقرار الذي اتخذته الحكومة، ويتعلق بالسلطة العليا للدولة يدخل في محيط أعمال السيادة، مثل كل القرارات المتعلقة بالمصلحة العليا للدولة، كصدور قرار من مجلس الوزراء بقطع العلاقات مع دولة من الدول، وتلك التي تتعلق بأمن الدولة الداخلي أو الخارجي، أو تلك التي تتعلق بالصحة العامة.
وتطبيقاً لهذا نرى أن القرارات المتخذة من قبل الحكومة لمواجهة فيروس كورونا، نرى أنها من قرارات أعمال السيادة التي تهدف إلى الحفاظ على الصحة العامة للناس في الدولة، قرارات اتخذت في إطار حكومي لحماية الناس من انتشار الوباء، ولهذا كان لابد من اتخاذ بعض القرارات التي قد يراها الرجل العادي غير ضرورية، أو مبالغ فيها، لكن رجل الحكومة ينظر نظرة شمولية أكبر، مدعمة بإحصاءات، وتقارير صحية داخلية وخارجية رأت أنه يلزم اتخاذ مثل هذه القرارات للمحافظة على الصحة العامة للناس في المجتمع.
هل يمكن تعويض المتضررين
أصدر وزير التعليم في (22) رجب الحالي تعميماً عاجلاً وجهه لكل إدارات التعليم بالمناطق والمحافظات، بإيقاف أعمال إصلاح وتشغيل والصيانة والنظافة بكل المباني المدرسية ابتداءً من تاريخه، فهل يمكن تعويض الشركات المتضررة من هذا القرار، ويماثل ذلك الشركات والمؤسسات، وأيضاً الأفراد الذين اصابهم الضرر بشكل أو بآخر جراء تنفيذ خطة الحكومة بمواجهة فيروس كورونا.
لم يكن قرار الوزير فردي، وشخصي، بل كان بمناسبة فيروس كورونا، والمساهمة في الحد من التجمعات. ولكي يحصل المقاول على تعويض جراء إيقاف العقد الإداري يلزم أن يكون قرار الإيقاف إما بسبب إهمال المقاول، أو عدم التزامه بالشروط والمواصفات، أو بسبب عدم رغبة الجهة الإدارية في استمرار تنفيذ العقد، أو بسبب المصلحة العامة، ففي هذه الحالات يستطيع المقاول رفع دعوى أما ديوان المظالم للمطالبة بتعويضه عن الضرر الذي أصابه. وهذا طبعاً يكون في الظروف العادية. أما في الظروف الاستثنائية؛ مثل حالة مواجهة فيروس كورونا، فإن الوضع يختلف. إذ أن قرار وزير التعليم لم يكن بسبب ممارسته لعمله الإداري اليومي، وإنما كان استجابة لقرارات اللجنة العليا التي وضعت استراتيجية مواجهة الفيروس، فهو ينفذ تعليماتها في حدود وزارته، ولذا فإن أركان الضرر التي أثرت على المقاولين لم تكن بسبب خطأ الجهة الإدارية، لذا فإننا نستبعد تعويض المقاولين بسبب خطأ الإدارة.
هناك نوع آخر من التعويض؛ حيث يمكن تعويض المتضررين من القرارات التي تصدرها الجهة الإدارية حتى ولو لم يرتكب هذا الشخص سواءً كان مقاول، أو تاجر او فرد عادي أو الجهة الإدارية أي خطأ. وهذه النظرية تعرف بنظرية المخاطر، أو نظرية تَحْمُل التَبِعه، تقوم على أساس وجود ضرر أصاب شخص ما، بسبب قرار اتخذته الجهة الإدارية، حتى لو كان هذا القرار صحيحاً، ومشروعاً، شرط أن تكون هناك علاقة سببية بين قرار الإدارة والضرر الذي وقع، ولا يلزم أن يكون هناك خطأ من جهة الإدارة. وهذه النظرية يأخذ بها ديوان المظالم، وهناك أحكام كثيرة صدرت من الديوان بالتعويض مستنداً على هذه النظرية.
هذا النوع من التعويض لا يمكن أن ينطبق على الأضرار التي أصابت الناس جراء استراتيجية مواجهة كورونا، لأنها كما أسلفنا سابقاً تعتبر هذه الاستراتيجية من أعمال السيادة، التي تندرج تحت مصلحة الدولة العليا.
ويجدر الذكر هنا أن بعض الأنظمة واللوائح السعودية أشارت إلى الأضرار التي تصيب الناس في المجتمع على اختلاف فئاتهم، وكيف يتم تعويضهم، إذ نصت المادة التاسعة من نظام الدفاع المدني الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/10 بتاريخ 10 / 5 / 1406 على أن يختص مجلس الدفاع المدني بما يلي: (ج) … ووضع القواعد اللازمة لتقدير الأضرار، وتعويض المتضررين من جراء ذلك.
ونظراً لإلغاء مجلس الدفاع المدني بموجب البند سادساً من قرار مجلس الوزراء رقم (78) وتاريخ 7\2\1440 هـ، الذي أحل (مجلس المخاطر الوطنية) محله، فإن المجلس هو الجهة المختصة لتقديم التوصيات اللازمة للجهات المختصة للتعويض عن الأضرار التي تسببها الكوارث أو أعمال العدو.
وكذلك صدر قرار من مجلس الوزراء برقم (246) وتاريخ 12 \ 9 \ 1426 هـ تضمن ضوابط وإجراءات صرف المساعدات التي تصرفها الدولة للمتضررين من الكوارث.
أيضاً تضمنت المادة الخامسة عشرة من نظام الثروة الحيوانية الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/13 بتاريخ 10 / 3 / 1424 أنه في حالة قيام الوزارة بذبح أي نوع من أنواع الثروة الحيوانية المحلية مصاب بمرض معد أو وبائي، يجب تعويض مالكي الثروة الحيوانية المذبوحة بما لا يقل عن (50%) من القيمة السوقية لهذه الحيوانات، وتحدد اللائحة شروط وقواعد وإجراءات تقدير وصرف هذا التعويض. وهذا النظام يشترط أن يصدر قرار من الوزارة بذبح الماشية المتأثرة بالكارثة.
كذلك ورد في (لائحة تنظيم الإجراءات المتعلقة بحصر الإعانات الحكومية للمتضررين من الكوارث الطبيعية وتقديرها وصرفها)، الصادرة بقرار وزير الداخلية رقم (873) بتاريخ 7 \ 1 \ 1435 هـ، حيث نصت المادة الأولى منها على أن (المساعدات التي تقدمها الحكومة هي مقابل ضرر نتج بسبب … (8) الكوارث والحالات الطارئة مثل الأمراض الوبائية). فهذه اللائحة تضمنت إجراءات عديدة يجب أن يتبعها من حصل له ضرر، ويرغب في الحصول على مساعدة من الحكومة. المهم في الأمر أن اللائحة أسمتها مساعدة، وليست تعويض، إذ أن التعويضات يجب أن تكون عن طريق الجهات القضائية. أما المساعدة فقد فوضت هذه اللجنة باتباع إجراءات معينة حددتها اللائحة لدراسة الأضرار التي أصابت الناس من هذا الوباء، ورفع توصياتها لاتخاذ ما يلزم حيال مساعدتهم حيال خسارتهم بسبب الوباء. وقد سبق للحكومة في جوائح عديدة أن عوضت المتضررين من الكوارث التي لحقت بهم بسبب الظروف الاستثنائية التي تتعرض لها المملكة من حين إلى آخر.
جاء هذا الوباء من الله سبحانه لنقَدِر النعمة التي نحن فيها، ولنكتشف كم نحن ضعفاء أمام قدرة الخالق سبحانه، وأيضاً ليبرهن لنا حرص حكومتنا على أمن وسلامة المواطن، وحزم ولاة الأمر في مواجهة هذا الفيروس حتى أصبحت الإجراءات التي انتهجتها المملكة مثلاً يضرب، ودروساً تستفيد منها الدول الأخرى، سائلين الله عز وجل أن يحمي مملكتنا الحبيبة وأهلها، وأن يرفع هذا الوباء عن الناس، إنه سميع مجيب.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل

 

بقلم :
إبراهيم محمد الحديثي
جامعة الملك سعود
alhudaithy@yahoo.com

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق