مقالات رأي

السعودية واختبار كورونا

 

هل نجحت السعودية في اجتياز محنة كورونا أم أن الحكم على ذلك لازال مبكر؟ وما هي نوعية الاجراءات السعودية الاحترازية الهادفة لأحتواء هذا الوباء محلياً؟ وما مدى تفاعل الشعب مع هذه الاجراءات وهل التزموا بتنفيذها وعدم خرقها؟ وكيف أثّرت ثقافة الأمن والآمان السائدة في السعودية سلباً على الالتزام بهذه الاجراءات؟ ثم كيف لنا أن نُقيّم أو نقارن بين ما فعلته القيادة السعودية وبين ما فعلته معظم قيادات دول العالم خاصةً الغربية منها فيما يتعلق باستباق خروج تداعيات هذه الجائحة عن إطار السيطرة؟ وكيف لنا أن نقيس مدى سرعة رد الفعل السعودي حيال مجابهة هذه الجائحة عند مقارنته بغيره؟وهل كان رد الفعل السعودي على مستوى الحدث عند تقييمه بشكل عام؟ ثم ما هي نوعية الدروس المستفادة من المرور بمثل هذه التجربة المريرة؟ وأختم بأهم سؤال في نظري وهو كيف لنا الحكم على نوع وحجم رد الفعل السعودي حال تعرض السعودية لا قدّر الله لاختبارات مماثلة مستقبلاً؟.

يقول المثل الغربي المعروف :
Beat me once shame on you; beat me twice shame on me.
والترجمة التقريبية لهذا المثل تقول:
اذا ضربتني مرة واحدة فالعيب فيك أما إذا ضربتني مرتين فالعيب فيّ أنا وليس فيك.

إن هذا المثل يلخص الهدف الرئيسي من كتابة هذا المقال والهدف من التطرق لأهمية الاستفادة من التجارب التي نمر بها والحرص على عدم تكرار الأخطاء التي وقعنا فيها أثناء تعرضنا لتلك التجارب.

لقد داهم وباء كورونا العالم بأسره واجتاح كافة مناطقه ولم يسلم منه أحدٌ بعد ومن بين هذه الدول كانت السعودية والتي تعد إحدى ضحاياه ولكن الأمر الذي يدعو للتفاؤل هو طريقة واسلوب تعامل الدولة السعودية مع هذه الجائحة منذ الاعلان عنها عالمياً وأخص بالذكر اعلان منظمة الصحة العالمية التي اعتبرت فيه هذا الداء جائحة وعرّفته على هذا الاساس مؤخراً وطلبت من الجميع التعامل معه بناءً على ذلك فكانت السعودية من أوائل الدول التي شرعت بقوة في السعي لأحتواءه والعمل على تقليص أضراره قدر الإمكان وذلك كان من خلال إصدارها لحزمة قرارات رسمية غاية في الشدة وغير مسبوقة في تاريخها الحديث لكن الأمر الذي عرقل ويعرقل هذا المسعى هو عدم شعور نسبة لا يستهان بها من عامة الشعب بالخطر ومدى تأثير تداعياته وذلك لسبب واحد ووحيد وهو أن هذا الشعب لطالما عاش ويعيش في أمنٍ وآمان ولم يشعر يوماً بأن التمكن منه أمرٌ وارد نتيجة ثقته اللامحدودة في قيادته وقدرتها على حمايته ممّا أوجد حالة من التراخي لديه جعلته لا يتفاعل مع التهديدات أو المخاطر التي قد تنال منه بجدية كافية.

ولقد كان من بين الاجراءات الاحترازية حيال هذه الجائحة التي إتخذتها قيادة السعودية عدة اجراءات أولها مثلاً إيقاف العمرة والصلاة في المساجد ثم أعقب ذلك تعليق الذهاب إلى المنشئات التعليمية إلى أجلٍ غير مسمى ثم لجأت لوقف الذهاب إلى أماكن العمل سواءً الحكومية منها أو الخاصة وكذلك قامت بمنع حظر التجول الجزئي في جميع مدن ومحافظات المملكة إلى أن وصل بها الحال إلى حد فرض حظر التجول الكامل على الكثير من المدن الرئيسية كمدينة الرياض العاصمة ومدينة جدة وغيرهما من المدن بعد أن أجبرهم التفاعل السلبي سالف الذكر مع ما تتخذه من حملات توعوية واعلامية وطبية على فعل ذلك.

ورغم وجود هذا التفاعل السلبي الذي أشرت إليه من قِبَل شريحة معينة من أفراد الشعب السعودي إلا أن ما أتخذته قيادته من حزمة قرارات لا تقف عند حد معين بل تستجد دوماً بتجدد المخاطر المحتملة لهذا الوباء وتفاقمها كان كفيلاً بأن يجعل هذا التعامل في حد ذاته أمراً تُحمد عليه السعودية ويعتبر إنجازاً لها وأيضاً يجعله في نظر الكثير من الدول تصرف دولة مسؤولة وراشدة ومدركة لحجم الخطر الذي يتهدد شعبها ومدركة أيضاً لمدى تأثيره السلبي صحياً عليه.

وهذا الإدراك جعلها تستبق حدوث معظم ما أشرت إليه آنفاً من أضرار تعاني منها حالياً الكثير من الدول، أضرار لم تسلم منها حتى كبريات دول العالم وعلى رأسها أمريكا والتي تساهلت مبدئياً في التعامل مع هذا الخطر الأمر الذي جعلها تدفع الثمن غالياً مقابل ذلك حيث أصبحت جرّاء ذلك التساهل المبدئي أكثر دولة تعاني من تبعات انتشار هذا الوباء بل أصبحت بؤرته الأشد فتكاً عالمياً في هذه المرحلة الزمنية الراهنة جنباً إلى جنب العديد من الدول الاوروبية أمثال إيطاليا وأسبانيا وغيرها من الدول.

وما أثبته الواقع أن في عدم استشراف التعرض لمثل هذه الجائحة وغيرها من المخاطر خطر أشد منه وإن عدم القيام بخطوات استباقية تضع عراقيل وعقبات تمنع أو على الأقل تُقلّص تبعات التعرض لأي تهديد أمني أو صحي قد تلوح بوارقه في الأفق هو أمرٌ في غاية الأهمية وذلك لأنه في غاية الخطورة فهذان التهديدان تحديداً “الأمني والصحي” يجب أن لا يغيب خطرهما عن ذهن أي فرد منّا فعدم التعامل معهما على هذا الاساس كفيلٌ بتدمير أي بلد وكفيلٌ بتدمير معظم مقدّراته.

إن السعودية تحديداً بلد أثبت بأن قياداته بمختلف تخصصاتها وواجباتها قادرة على مواجهة مثل هذه التحديات وإن كنّا لم نصل بعد إلى برّ الآمان حتى الآن فيما يتعلق بجائحة كورونا تحديداً ورغم ذلك نجد أن التفاؤل هو سيد الموقف في الداخل السعودي فالجميع أصبح على ثقة بأن الغالبية العظمى من شعب هذا البلد أدرك أو أصبح يُدرك بأن الحل الوحيد لنجاته واستمرار أمنه وآمانه لن يتحقق إلا بتجاوبه مع توجيهات قيادته والامتثال لها.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى