أزمة الهوية (من أنا ..)

يعد مصطلح أزمة الهوية من المصطلحات النفسية المهمة التي تكاد تكون قد اشبعت دراسة وبحثاً من قبل الباحثيين النفسيين والاجتماعيين ، فأزمة الهوية والتي نادى بها اريكسون تعكس تساؤل الفرد ( في مرحلة المراهقة بالتحديد) عن الاتي : من أنا ؟ ومن أكون ؟ وهي حالة نفسية يتناول فيها المرحلة الخامسة من نظريته الإرتقائية الشهيرة ، مرحلة البلوغ والمراهقة من 13- 18 سنة أي بداية الرشد ، مرحلة الإحساس بالهوية ، فعندما تتعرض أية هوية الى تحديات وردود أفعال يبدأ هاجس الخوف على الهوية، ويبدأ الحديث عن (أزمة الهوية) ونحو ذلك.

غير أن الازمة ليست في ذات الهوية دوما، بقدر ما هي في خارجها لأنها نتيجة للمتغيرات التي تحدث حولها والتحديات التي تواجهها. وحين نتحدث عن (أزمة) فإننا لا نحسها مباشرة، وإنما نلاحظها ونشعر بها من نواحي عديدة وبخاصة في العلاقات الاجتماعية والثقافية التي ترتبط بالآخر .

إن الأزمة التي يعيشها الشباب هي أزمة هوية “Identity crisis ” وهي تلك الازمة التي يؤدي فيها التساؤل : ” من أنا ” الى اهتزاز في كل مفاهيمه السابقة عن تصوره لذاته . إن النجاح في هذه المرحلة يؤدي الى اكتشاف الشاب لهويته ، وإذا فشل في ذلك فإنه يكون في حالة ارتباك ، وهذه تنعكس بدورها ليس فقط على الشباب ، بل ايضا عندما تختلط الادوار لدى البالغين بسبب الانتقال القسري او الهجرة الاجبارية من مكان لآخر بسبب عدة عوامل في الوطن الاصلي.

من خلال هذه المقدمة البسيطة عن أزمة الهوية بودي لو ننتقل بالحديث عن شريحة كبيرة تعيش داخل المجتمع السعودي من المواليد, كثر الجدل حولهم بأحقية منحهم الجنسية,هم أناس ولدوا وعاشوا ومنهم من مات في هذا البلد,وهو لا يعرف موطنه الأصلي إلا حديثا عابرا مع أبويه أو أبناء عمومته.

هذه القضية ينقسم معها الشارع السعودي الى فسطاطين منهم من يؤيد تجنيسهم ومنهم من يرى غير ذلك. ومع هذا عرفاً وديناً وانسانيةً كلها تستدعي اعادة النظر حول ماهية ما يعيشونه وهم يرزحون بين مطرقة صعوبة العيش وسندان جور الأنظمة -على حد تعبيرهم-.

لا يعني أن تكون وفياً لهذا الوطن أن تكون حاصلا على الجنسية السعودية فالكثير ممن ولدوا ونشأوا وتعلموا أيضا في هذا البلد وجدوا أنفسهم متعلقين به فما يربطهم به هو اكبر من الأنظمة التي تؤطر مفهوم المواطنة في أوراق ثبوتية وسجلات مدنية.

ألا يحق للمواليد في السعودية أن يستثنوا في قانون الجنسية بدلاً من العيش تحت رحمة الكفلاء وكلمة (ترحيل) فهم يختلفون عمن جاء الى البلد بغرض العمل لفترة مؤقتة, على الأقل إن لم يسمح لهم النظام بالتجنيس فينبغي على الأقل منحهم إمكانية الإقامة بدون كفيل.

للأمانة مسألة منح الجنسية فيها نظر وتحتاج الى بحث دقيق وطويل من قبل الجهات المختصة حتى لا يحدث تغيير ديموغرافي للتركيبة السكانية فأحدنا لا يعلم ان منحوا الجنسية هل سنكتفي بهم أم سيتوافد علينا الرعايا من أفريقيا وشرق اسيا مما يؤثر على هوية البلد وأمنه ناهيك عما تتمتع به قبلة المسلمين من خصوصية بتواجد الحرمين ما يجعل التأشيرات مفتوحة طوال العام لغرضي الحج أو العمرة وما إن كانوا سيعودون الى اوطانهم أو لا .. ما يجعل دائرة الجوازات في مشقة كبيرة لضبط هذا الأمر.

برأيي الحل الأنجع هو منحهم استثناء وإمكانية الاقامة بدون كفيل أما ترك قضيتهم لسنوات بهذه الوضعية فهذا مما يحار معه العقل, فهناك من يرى بأنهم قنابل موقوتة, وماذا سيحدث إن اختل أمن البلد في ساعة من نهار! هم يعانون وسبب معاناتهم شعورهم بالغربة في هذا البلد ناهيك بأن سوادهم الأعظم يرى بأن السعودية هي موطنهم الاصلي مما ولد لديهم شعور بتشوش الهوية .

إن الكثير من المواليد الان في المملكة يعيشون أزمة هوية حقيقية بين من انا ومن اكون ؟ وغالبيتهم الان يعيش هذا الواقع وياليتها كانت مقصورة على الفتية بل أمرَ من ذلك أننا نجد هذه الأزمة الان عند الراشدين ، فهؤلاء يعانون أكثر من ابنائهم بل ان سبب معاناة الأبناء من ازمة الهوية هو الاباء لانهم – أي الاباء – هم انفسهم قد فقدوا هويتهم وضاعت عليهم قبل ابنائهم.

أعلم يقيناً بأن مثل هذا الطرح لا يروق للكثير ولكن هي حقيقة شئنا أم أبينا وهي بحكم مفعول مؤجل لم نرَ أنه منح الاهتمام الكافي على كافة الاصعدة, فهناك مجموعة من الأحياء وبالأخص في المدن الكبيرة باتت شبه محتلة أقصد (لا تكاد ترى المواطن فيها) من قبل عمالة ومواليد ما يفاقم المشكلة وتركها على الغارب ينذر بأزمة حقيقة تلوح بالأفق لا نشعر بها بسبب الوضع الامن الذي نعيشه ولله الحمد والمنة ولكن ماذا إن حدث العكس هل أخذ المسؤول احتياطه بأنظمة مستدامة بدلاً من المسكنات وذلك مما يحفظ للبلد أمنها وديمومتها ورخاءها.

mohdaldosi@

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق