الهدف من تشريع “العيد” ديناً وممارسة

كتبه: احمد بني قيس

شرع الله لنا نحن المسلمين عيدين في كل سنة، ويهدف الحق سبحانه وتعالى من هذا التشريع إظهار الفرحة والمحبة والبهجة والسرور بين المسلمين بشتى تصنيفاتهم بدءًا من الأمة ككل ووصولًا إلى الكينونة الصغيرة المتعارف على تسميتها بالأسرة، وأيضًا من الدوافع الأساسية خلف سَنّ هذا التشريع هو جعله شعيرة من شعائر الله تتجلى فيها مبادئ الوحدة وشكر الله على تمام النعمة والعبادة؛ حيث قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وتأكيدا لهذا المنحى الديني ما ورد عن أنس رضي الله عنه أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لما قدم المدينة وجدهم يحتفلون بعيدين فقال: (كان لكم يومان تلعبون فيهما وقد أبدلكم الله بهما خيرًا منهما يوم الفطر ويوم الأضحى)، وفِي هذا الحديث تعزيز لما سبق ذكره وتأكيد على أن “العيد” من الشعائر المهمة الواجب تبجيلها والعمل بمقتضاها.

إلا أنه -وللأسف- نجد في حاضرنا الراهن اختفاءً لهذه القيم عند أغلب الناس عملًا وقولًا، وحل بدلًا منها قيم هي أبعد ما تكون عن الهدي الديني المُعْتَبَر المذكور آنفًا؛ ومن بين تلك القيم المبتدعة تقسيم المجتمع على أساس مصلحي بحت وأيضًا السعي لإيغال صدور الناس بعضها ضد بعض بحجج واهية لا يقبلها لا عقل ولا دين ولا منطق، ونجد هذا التناقض واضحًا وجليًا حين ننظر نظرة براغماتية لحال الأمة الْيَوْمَ؛ فالدول تراها متفرقة والشعوب ليست بأفضل حالًا منها، بل إنك تجد أن حتى الدولة الواحدة منقسمة على نفسها ويصعب عليها تجسيد التعاطف والتكافل المنصوص عليه شرعًا بين أفراد مجتمعها في الأعياد خصوصًا، وفي الشؤون الحياتية الأخرى عمومًا، مما انعكس سلبًا عليها وعلى شعبها، ولكن قد يقول قائل بأن هذا الوضع يتعلق بالسياسة فقط ولا علاقة له بالدين، وقد أقبل هذا التبرير على مضض رغم عدم اقتناعي به، ولكن ما لا أستطيع تقبله هو أن نجعل من هذا التبرير أو هذه الذريعة شماعة نعلق عليها أخطاءنا فقط أو أن نهدف من خلال استخدامها “فقط” تبسيط أية أمور هدامة يهدف من وراء ذكرها البعض إلى تفكيك المجتمع وتهديد منظومته الفكرية والسلوكية، وهذه هو الهدف الرباني الرئيسي المقصود من وراء تشريع الباري سبحانه وتعالى الأعياد وغيرها من التشريعات من أجل مقاومة وتلافي وقوع مثل هذه السلبيات التي للأسف نراها واقعًا مجسدًا في بعض المجتمعات الإسلامية، كما أن الله شرع لنا الأعياد وغيرها لحماية المجتمع ككل والأسرة تحديدًا من خطر التفرق والتشرذم والانقسام.

لقد أصبحنا نرى في واقعنا الأُسري حاليًا فيما يخص “العيد” تحديدًا ظهور حالات مرضية لا نجد من ينبري لعلاجها أو على الأقل من يحاول التخفيف من حدة وطأتها على طبيعة العلاقات والروابط المشتركة عدا بعض الاجتهادات الخجولة التي لا تسمن ولا تغني من جوع كما يقال.

المؤلم في الموضوع، أن حتى هذه الاجتهادات الخجولة رغم محدودية تأثيرها الإيجابي وعدم نجاعتها في أن تكون وسيلة فعالة في رأب الصدع بين الفرقاء، إلا أننا نجد رغم ذلك أن هناك شريحة من المجتمع ينبذون هذه الوسيلة على عِلَّاتها ويحاربونها ليس خوفًا من فشلها بل خوفًا من نجاحها مُغفلين بجهلهم مدى خطورة السماح أو غض الطرف عن مثل هذه الممارسات اللاإسلامية (تلطيفًا للعبارة) على وحدة واستقرار وترابط كيان الهرم الأُسري من أسفله إلى أعلاه.

وأخيرًا، أقول يجب علينا أن نعي أن لَيَّ أعناق النصوص حتى تتماهى مع رغباتنا ونزواتنا هو أخطر أمر قد نقوم به، فالنصوص واضحة ولا تحتمل أية تأويلات مغرضة ولا يستطيع كل من ساءت نِيَّتُه استنباط وفرض أحكام من راْسه فقط ليشرعن بها تحقيق أهدافه الشاذة من خلال إلباسها لبوس الصدق والنزاهة، لذلك عليه أن يعلم هو وغيره بأن الوحيدين الذين يُمكِنُهم إقناعهم بهذه الهرطقات هم فقط المغفلون السذج، وهذا الأمر ينسحب على موضوع “العيد”؛ فرغم علم أصحاب النوايا الخبيثة بأن “العيد” منحة ربانية أراد الله بها أن تكون عاملًا يعمل على تعزيز وتقوية ما يجمع ونبذ وترك ما يُفَرِّق، إلا أننا نرى هؤلاء المرضى ما زالوا يُصرون ويُلحون على محاولة تعكير صفو ونقاء سريرة خلق الله غير آبهين بتداعياتها السلبية أيًا كانت سواءً عليهم أو على غيرهم.. “فيا ليت قومي يعلمون”.

 

كتبه:

احمد بني قيس

@ahmed_baniqais

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق