ما أعظم دروس الحياة

مؤلم وغير متوقع ما وصلت إليه البشرية من إنكفاء على ذاتها في مشهد اقل ما يوصف انه إقامة جبرية ولكن هذه المرة ليس بأوامر من السلطات الرسمية بل بسبب مخلوق خفي عاث في الأرض فساداً وحصد الملايين ما بين إصابات ووفيات بطريقة مرعبة عرّف الإنسان قدره وجعله يقر انه مهما علا وتجبر فإنه يبقى كائن ضعيف لا يحتمل مواجهة فايروس لا يُرى بالعين المجردة

كم هو درس قاسي وشديد الوقع على بني البشر سيكون له تبعاته وإرهاصاته فقد وحّد العالم وجعلهم يقولون بصوت واحد مالنا غيرك يالله شاهدناها وسمعناها من زعماء العالم مسلمهم ومسيحيّهم ويهوديّهم بعد أن عجزت المعامل والمنظمات الصحية عن مواجهة هذا المخلوق العجيب والخطير والمحيّر والذي ستتحدث عنه الأجيال كثيراً وسيكتبه التاريخ في صفحات سوداء عنوانها الكبير اننا لسنا القوه الوحيدة على هذا الكوكب .

كان هناك من يتصور أن الإنسان بتقدمه التقني وتطوره الإنساني الذي وصل به الى المريخ والقمر والكواكب المجاورة وتحكّمه بالأرض وخيراتها وغزوه للفضاء بصواريخه انه قادر على هزيمة كل ما يقف أمامه او يعطل تقدمه فأتى كورونا وأجهز على هذا الغرور والكبرياء وأعاد الإنسان الى حجمه الطبيعي ومكانه الحقيقي بعد أن ظن ان العقل والعلم سلاحه الذي لا يُهزم وأداته التي لا تُقهر .

كم نحن مسرفون على أنفسنا وكم اخطأنا بحق الطبيعة وكم قتلنا بعضنا وكم تجنّينا بحق غيرنا من المخلوقات بمصانعنا وآلآتنا حتى اشتكى الشجر والحجر واحتبس المناخ وانحسرت البحار والمحيطات وزاحمنا الطيور في أعشاشها والحيوانات في غاباتها جشعاً وطمعاً في زيادة إنتاجنا ورغبةً في هيمنتنا وسيطرتنا وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت يد الإنسان , فكنّا في أمس الحاجة إلى وقفه مع النفس ومراجعة شاملة ودروس نستخلص منها العبر على كل المستويات الإقتصادية والسياسية والصحية والإنسانية لنعلم ان هذا الكون ليس لنا وحدنا ولسنا القوة الخارقة التي لا تُهزم وانه بقدر فسادنا في الأرض ستكون العواقب وخيمة عاجلا ام آجلاً وأن الطبيعة ستثأر لجمالها الذي شوهناه وبهجتها التي استأثرنا بها دوناً عن غيرنا من المخلوقات الروحية والطبيعية .

واليوم بعد ان عجز الإنسان عن الحل أو تأخر وصوله وبعد أن قرر التعايش مع الجائحة وعودة الحياة تدريجياً إلى طبيعتها مكره اخاك لا بطل فأن من الواجب علينا معرفة ان ما بعد كورونا ليس كما كان قبله سواء على مستوى الوعي والإلتزام بالإحترازات والاشتراطات او على مستوى الدولة واليقظة الصحية والإقتصادية او على مستوى الطبيعة ومشاركتنا الفاعلة والإيجابية في إثراءها والحفاظ عليها لا استغلالها والإستئثار بها , ما أعظم دروس الحياة فقد أدّب وعلّم كورونا البشر بما لم تفعله جامعات العالم في عقود من الزمن .

 

كتبه: طلال مجرشي
@tsyjam

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق