خطر الطموح الفردي على الترابط الأسري

إن الدين الإسلامي أوصى وحث على الرحم وصلته، ومن صلة الرحم لزوم الجماعة؛ حيث قال الحق جل وعلا في محكم تنزيله: “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا”، وقال رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم: “يد الله مع الجماعة”، إن هذه التوجيهات الربانية والنبوية تحث على الترابط والتكافل بين الجماعة قاطبةً، فما بالك بالأسرة الواحدة، “الأسرة” التي علمنا الدين وعلمتنا الحياة أن في الحفاظ عليها الأجر والثواب وفي تعريضها للتفرق الذنب وسوء المآل.

ومن باب رعاية صلة الرحم، فإنه من الواجب علينا أن نناقش كل الأمور التي قد تؤثر سلبًا على هذه العلاقة والتي ربما فيها مخالفة صريحة لأوامر الله ورسوله المُوجِبة والحاثة على العناية بالرحم وحمايته والإبقاء عليه وبذل الغالي والنفيس في سبيل ذلك مهما كانت المبررات والإغراءات الحاثة على عدم الاكتراث به، فالشاعر العربي قديمًا قال:

 

وظُلْمُ ذَوِي القُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَـةً *** عَلَى المَرْءِ مِنْ وَقْعِ الحُسَامِ المُهَنَّـدِ

 

ورغم أن الكثير مُطلع على معظم الآيات الربانية والأحاديث النبوية التي تولِي صلة الرحم أهمية بالغة وتأمر بتجاوز أية معوقات من شأنها الإضرار بها، نجد أن البعض ينسونها أو يتناسونها حين يدركون أنها قد تقف حائلًا بينهم وبين تحقيق مبتغاهم وأهدافهم الشخصية، والتي في غالبها تنحصر فقط في الحصول إما على مجد شخصي وإما على مصلحة دنيوية بحتة لا قيمة فعلية لها ولا علاقة لها مطلقًا بالصالح العام للأسرة، ونحن في هذا المقام قد نغفر مثل هذه التجاوزات لو صدرت من شخص جاهل أو شاب يافع صغير في السن قليل الخبرة فالجاهل قد يُعذر لجهله، وصغير السن قد يُعذر لقلة تجربته ووعيه، ولكن من الصعب أن نغفرها حين تصدر من كبار الأسرة الذين نأمل فيهم الخبرة والحكمة ونأمل فيهم أن يكونوا هم سببًا في تعاضد الأسرة وتوحدها ومصدرًا لترابطها وألفتها لا أن يكونوا سببًا في فرقتها وتشرذمها ومصدرًا لبغض وكره أفرادها لبعضهم البعض.

إنني أنا وكل عاقل نتعجب من حال هؤلاء الذين يَرَوْن أن الاعتداد برأيهم وفرضه بصورة مباشرة أو غير مباشرة ويسعون لتحقيقه بشتى الوسائل الحميدة وغير الحميدة أمرٌ واجبٌ عمله والحث عليه حقيقة يجب أن تكون ضاربين عرض الحائط بكل التعاليم السمحة والقيم الجميلة التي نشأوا وتربوا عليها.

(وأنا هنا أكتفي بالحديث عن ظاهر أقوالهم وأفعالهم، أما سرائرهم فالله وحده العليم بها).

وأنا لو كنت مكان هؤلاء ورأيت أن رأيي أيًا كان هذا الرأي ومهما كانت حاجتي الماسة إليه سيؤدي إلى تفكك أُسرتي والإيقاع بين أفرادها فإني سأتخلى وأتنازل عنه فورًا وسأبتعد بكل ما أوتيت من قوة عن التمسك به تماشيًا وتحقيقًا للمصلحة العامة للأسرة، بل إن مثل هذا الحال سيزيدني حرصًا على أن أكون عاملًا إيجابيًا وفعّالًا يُعزز ويُقوِّي عرى وأواصر هذه الأسرة وسيدفعني أكثر وأكثر للمساهمة في جعل أُسرتي متوحدة ومتماسكة وجَعل قلوب جميع أفرادها على قلب رجل واحد وليس العكس.

إن ما يزيد الطين بلة كما يقال أنك حين تحاور مثل هؤلاء الاشخاص وتحاول أن تُبين التداعيات السلبية المُحتملة لرأيهم في حال تنفيذه يغضبون منك ويخطئونك ويسعون إلى إبراز أية أخطاء قد تصدر منك بهدف الاستناد إليها واستخدامها كمبرر للإصرار على التمسك برأيهم وفرضه على بقية أفراد الأسرة غير عابئين بالتبعات والعواقب أيًا كان حجمها وتأثيرها السلبي على وحدة الأسرة وتماسكها والمفارقة العجيبة في هذا الشأن أن معظم هذه الأخطاء التي يتحدثون عنها ويضخمونها يكونون في أحيان كثيرة هم المتسببين فيها.

وأختم أخيرًا بالإشارة إلى معظم إن لم يكن جميع من يتبنون هذا النهج ليس فقط يخسرون الانتماء الحقيقي إلى هذه الأسرة بل إنهم يخسرون ثقتهم في الناس وفي أنفسهم على حد سواء فيصبح الجميع في نظرهم أعداء يجب أن يحذروهم ويجب أن تكون علاقتهم بهم سطحية وخالية من أية عواطف نبيلة، عواطف يعتبرونها ضعفاً يحطمهم ويجعل منهم صيداً سهلاً لكل من يرون فيه عدو متربص بهم فتتدمر حياتهم ويتعكر صفوها طال بهم الزمان أم قصر وهذا ما يغفل عنه هذا الصنف من البشر ولا يعطونه أي أهمية إلا بعد فوات الأوان.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق