هل صراع الأديان أمر حتمي؟

كتبه: احمد بني قيس

إن المتأمل في تاريخ البشرية منذ بدء الخليقة وحتى الآن يرى أن الدين ظل العامل المسيطر على كافة شؤون الحياة، وأنه رغم اختلاف الأديان والشرائع والتوجهات الفكرية ظل الدين متواجدا وبقوة ليس ترفًا بل نظرًا لأنه حاجةً ماسّة عند البشر، فطرة فطرهم الله عليها حتى يتمكنوا من تقبّل واقع وأسباب وجودهم في الحياة، فالدين ظل وسيظل الملجأ والطموح والغاية التي يبحث فيه الإنسان عن أجوبة لكل ما يستعصي عليه فهمه وإدراكه.

أنّا أُعرِّف الدين على أنه يمثل نظاماً ورؤية وأسلوب حياة بالإضافة إلى كونه علاقة روحية تجمع بين طرفين عابد ومعبود، لذلك أرى أن الأديان مهما اختلفت في تفاصيلها إلا أنها في المجمل تحمل مضمونا يكاد يكون موحد ألا وهو حقيقة أنها جميعًا تؤمن بوجود عابد ومعبود، عابد يتقرب للمعبود لينال رضاه وثوابه، ومعبود يكافئ العابد على مدى طاعته له والتزامه بتشريعاته ولكن رغم وجود هذا العامل المشترك إلا أن الصراعات الدينية ظلت قائمة بين الأديان طوال التاريخ، وكل دين يحارب الآخر وكل دين يرى أنه هو الأفضل والأكمل وأنه هو الدين الذي يجب اعتناقه.

ومن المحزن أن هذه الصراعات لا تزال مستمرة رغم دمويتها ووحشتيها التي لا ينكر بشاعتها أي إنسان عاقل مهما كان عرقه أو دينه أو لونه، واستمراريتها تعود في نظري لأحد سببين إما لسوء المعتقد نفسه ونحن كمسلمين نؤمن بذلك إيماناً يقينياً لا مراء فيه، وإما لسوء فهم المعتقد وهذا ما ينطبق تمامًا على الإسلام بسبب ما أحدثه سلوك وممارسات بعض معتنقيه ونتيجةً لذلك دخلت البشرية جمعاء في أنفاق مظلمة طوال تاريخها، أنفاق دمرت الحرث والنسل ولم تقدم أي خير يخدمنا أو يخدم أمننا واستقرارنا كبشر.

إننا في الإسلام نؤمن ونبشّر بأن ديننا هو الدين الحق المخلص للبشرية جمعاء من كافة الشرور والمنجي من غضب الله وسخطه وهذا حق نؤمن به جميعًا كمسلمين، ولكن كذلك غيرنا من الأديان يؤمن بالأمر نفسه، فأنت لو سألت أي مسيحي أو يهودي أو بوذي أو هندوسي هل دينك هو الدين الحق؟ هل هو المخلص لنا من كافة الشرور؟ هل هو الدين الذي يجب اتباعه؟ لأجابك بنعم.

إذًا ما هو الحل؟ كيف لنا أن نوقِف القتل والوحشية والصراعات الدموية بين بعضنا البعض كبشر ؟ كيف يمكننا أن نصل إلى قناعة مشتركة بأنه من المستحيل أن يقضي أحدنا على الآخر وأن يفنيه من الوجود؟ كيف لنا أن نتعايش مع بعضنا البعض رغم اختلافنا البيِّن في العرق والدين واللون؟.

إن الله سبحانه وتعالى قد أجاب على كل هذه التساؤلات حين أنزل في محكم آياته سورة “الكافرون”، هذه السورة التي جميعنا يحفظها عن ظهر قلب، ولكن الكثير منّا لا يمتثل لما ورد في هذه السورة من توجيهات ربانية يُرشدنا فيها الله سبحانه إلى كيفية التعامل والنظر إلى الآخر المختلف معه في الدين، متمثلًا ذلك التوجيه الرباني القائل: “لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ”.

إننا لو التزمنا جميعاً بهذا المبدأ الإنساني نحن المسلمين وغير المسلمين واقتنعنا بأن الله أمرنا بقبول الآخر والتعامل معه بالتي هي أحسن حتى لو كان مختلفًا عنه لخفّت حدة التوتر بيننا، ولسهل علينا قبول مبدأ الاختلاف بين بعضنا البعض طالما ظل هذا الاختلاف سلمياً وفي إطاره الفكري والعقائدي غير العنيف.

إن الله جل في علاه أمرنا نحن المسلمين بالدعوة بالتي هي أحسن ولم يأمرنا بأكثر من ذلك حين قال: “ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ”، ولو هدى الله البعض منّا وقاموا بتطبيق هذا التوجيه الرباني لحُلَّت الكثير من مشاكلنا، بل لحُلَّت الكثير من مشاكل الآخرين المختلفين معنا في الدين، فالمسلم العاقل يقول إننا لو طبقنا توجيهات الحق سبحانه وتعالى الواردة في هذه الآية وغيرها فإننا سنمنح الآخرين فرصة أن يروا دينًاً متسامحًاً رحومًاً يدعو للخير وينصر الضعيف وينصفه، دينًا يحمل في طياته كل معاني الرحمة والمحبة والألفة، دينًا يحث على حسن التعامل مع الآخر مهما كان دينه أو عرقه أو لونه، وليس دينًاً يشرعن الذبح وسفك الدماء كما هو حاصل الآن مع خوارج هذا العصر أمثال “داعش” ومن لفَّ لفّها ممن حرَّفوا الآيات وشوهوا الدين وأساءوا إليه أيما إساءة.

إنني على يقين تام أن الآخرين متى ما رأوا عند المسلمين نهج الوسطية والاعتدال وكل الخصال الحميدة التي سبق ذكرها فإنهم سيُقبِلون على اعتناق الإسلام زرافات ووحدانًاً دون جهد كبير نحتاج لبذله في هذا الصدد، خاصةً وأننا نتملك تجربة سابقة في تاريخنا الإسلامي تُبرهن على وقوع ذلك متمثلة في دخول الكثير من معتنقي الأديان الأخرى في الإسلام طواعيةً واقتناعاً عندما وجدوا الأمانة والصدق وحسن الخلق وحسن التعامل عند المسلمين السابقين الذين وفدوا إليهم، مما حبّبهم في الإسلام دينًا ومنهجًا فاعتنقوه.

ونرى أن هذا الإدراك قد توصَّل إليه ولاة الأمر لدينا وشرعوا في محاربته عن طريق تأسيسهم لمركز عالمي أسموه “مركز حوار الحضارات” لمكافحة ما أسماه الغرب والمستغربين “صراع الحضارات”.

وأنا في هذا المقال “أكرر وأقول” بأني من المحال أن أُغفل أو أتجاهل حجم الدموية والوحشية التي واجهها مُسلمو هذا الزمان المتواجدين في بقاع مختلفة من هذا العالم من سفك دماء لا يمكن وصفه أو تبريره أو تجاهله، إلا أني أرى رغم ذلك “والله أعلم” أننا لو استطعنا تفعيل وتطبيق وممارسة معظم ما تقدم ذكره من أفعالٍ وأقوال وخصال تخصّنا نحن المسلمين لكان ذلك كفيلاً بأن يخلق لدى العالم بأجمعه انطباعاً حسناً عنّا وعن ديننا، وأعتقد أن هذا الانطباع الحسن سيُسهم وبنسبة كبيرة في تخفيف حدة الاحتقان الرهيب الموجود بيننا وبينهم وسيعمل بالتالي على تخفيف حدة الصراعات الدموية بيننا البين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق