قراءة تاريخية لواقع العنصرية في أمريكا

قد يجهل البعض تاريخ وجود العرق الابيض في أمريكا وكيف أصبحت أمريكا على ما هي عليه اليوم فوجود العرق الابيض في أمريكا بدأ عندما تم إكتشافها على يد كريستوفر كولومبس المستكشف الأوروبي المعروف ومعها بدأت مأساة السكان الاصليين التي كانت أمريكا أرضهم وديارهم لقرون إلى أن بدأت الهجرة أو لنقل الترحيل الاوروبي لكل من كانوا منبوذين في أوروبا ومطلوب التخلص منهم نتيجة اجرامهم وبغض الأوروبيين لهم فبدأت تلك الوفود المنبوذة رحلتها إلى هذه الأرض الجديدة وبدأت معها رحلة العذاب والشقاء والهلاك لسكان أمريكا الأصليين حيث بدأت تلك الوفود الأوروبية الهمجية في العمل على إبادتهم والقضاء عليهم واحتلال اراضيهم إلى أن تحقق لهم لذلك على حساب دماء وأرواح معظم هؤلاء السكان الذين كان الأمريكان الجدد يطلقون عليهم لقب “الهنود الحمر”.

وعندما بدأ الاستعمار الغربي لقارة أفريقيا رأى الامريكان الجدد فرصة ثمينة لهم أرادوا اقتناصها وانتهازها وسعوا إلى ذلك بكل وحشية وإجرام حيث قاموا بالذهاب إلى تلك القارة وبدأوا في نهب خيراتها واسترقاق سكانها الافارقة السود وجلبهم إلى أمريكا كعبيد مارسوا عليهم أبشع أنواع وصور الاستعباد والعنصرية إلى أن أتى رئيس أمريكي جديد عُرف بأسم إبراهام لينكولن والذي قام بإصدار قوانين لم يتم ترجمتها إلى واقع إلا في الستينات الميلادية، تُجرّم هذه القوانين الاستعباد وتأمر بتحرير جميع العبيد السود لأسباب لا علاقة لها بالمفاهيم الانسانية أو الرحمة كما يدعون الامريكان وإنما علاقتها فقط مرتبطة برغبته السياسية في تحسين صورة بلاده والعمل على نشر بروباغاندا أمريكية دلالتها تقول بأن أمريكا هي بلد الحرية والديموقراطية والمساواة والحلم الامريكي الجديد الذي كان في واقعه مجرد واجهه للرغبة في فرض سيطرة وهيمنة أمريكا على العالم ونشر صورة مزيفة عنها، لازالت تداعياتها وثبات زيفها حاضرة حتى يومنا هذا.

إن المطلع الجيد على واقع الحياة الأمريكية يعلم جيداً بأن العنصرية ضاربة أطنابها عند الكثير من الامريكان من ذوي العرق الأبيض وكانت الستينات وما قبلها تشهد أوج حدّتها حيث كانت مظاهر التفرقة بين البيض والسود تحديداً مستشرية بشكل غاية في الدناءة والاحتقار الإنساني حيث كان للسود مواقع لا يتنازل البيض أن يتواجدوا فيها والعكس بالعكس حيث كان يمنع السود بالقوة في أحيان كثيرة من التواجد في مواقع البيض بل إن التفرقة شملت الكثير من مناشط الحياة ومن بينها مثلاً السكن والاقامة ووسائل المواصلات والعمل وغيرها من الأمور ممّا دفع السود لتنظيم مظاهرات احتجاجية ضخمة يقودها شخص أمريكي أسود يدعى مارتن لوثر كينغ والذي تم لاحقاً اغتياله ونتيجة لكل هذه المظاهر الاحتجاجية أُجبرت القيادة السياسية الأمريكية على عمل تغييرات تشمل عدم السماح بممارسة أية مظاهر عنصرية “علنية” رغم أن رواسبها لازالت موجودة بل ومتجذرة في ذهن الكثير من الأمريكان من ذوي البشرة البيضاء.

ومن عاش في أمريكا يدرك جيداً مدى تغلغل العنصرية فيها خاصة هذه الأيام وكيف أن ممارستها أصبحت علنية أحياناً دون تردد أو وجل وليس أدّل على ذلك من الحادثة الأخيرة التي أدت إلى مقتل مواطن أمريكي أسود على يد أحد أفراد الشرطة، حادثة جعلت الكثير من الامريكان السود ومعهم بعض المتعاطفين البيض ينظمون مظاهرات ضخمة احتجاجية ضد تلك الجريمة في معظم الولايات الامريكية بحيث أصبحت حديث الساعة هذه الأيام في مختلف وسائل الاعلام العالمية ولكن من المفارقات العجيبة أننا وجدنا أن معظم المنظمات الإنسانية الدولية لزمت الصمت ولم يصدر منها أي تعليق حول هذه الحادثة وسابقاتها في صورة بائسة تُظهر مدى النفاق المنظماتي الدولي وكيل معظم هياكلها بمكيالين كما تعودنا منها حين يتعلق الأمر بمخالفات وجرائم الدول الكبرى.

وحتى أكون منصفاً فإن هنالك أعداد وأصوات ليست قليلة من ذوي البشرة البيضاء يناهضون هذه المظاهر ويهاجمونها ولكن للأسف نجد أن الكثير من البيض لا يتبنون هذا التوجه بل أنهم داخل دوائرهم الخاصة يفصحون ويحرضون على ممارسة هذه العنصرية ضد السود ويرون أن السود دخلاء على مجتمعهم ويجب التخلص منهم بكل الطرق الممكنة شرعيةً كانت أم غير شرعية وهذا يجعلنا ندرك أن أغلب التصريحات السياسية الأمريكية المهاجمة للعنصرية ما هي إلا مجرد محاولة دؤوبة لتسويق فكرة أن أمريكا بلد متسامح وأفراده متساوون في الحقوق والواجبات وأنهم يرحبون بالجميع أياً كان لونهم أو عرقهم أو دينهم بينما الواقع الحالي يبرهن على خلاف ذلك.

أخيراً إن من أعظم مساوئ قناعات البشر اعتقادهم وإيمانهم بأن هنالك عرق أفضل من عرق ولون أفضل من لون ودين أفضل من دين متجاهلين بأننا جميعاً بشر أياً كانت صفتنا وأن من أبسط حقوقنا أن يحترم بعضنا بعضاً وأن يؤمن بعضنا بحقوق بعضنا الآخر وأن التفرقة والعنصرية فيها الشر والدمار والحروب التي لن ينتصر فيها أحد وإن جميع البشر متساوون في الحقوق والواجبات وأن من يلتزمون بهذه التعاليم والمفاهيم الإنسانية هم وحدهم فقط من يستحقون أن نسميهم بشر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق