إنّ الله مع الصّابرين

كتبه: صالح هليل – أخصائي اجتماعي

لستُ أوّل من كتب عن الصبر، فقد جادت به أقلام كثيرة، وآراء عديدة، وأعيد اليوم فأكتب عنه لأهمّيته، خاصة في زماننا هذا، وهذا الظّرف الذي نعيشه اليوم.

يقول تعالى في كتابه: “وَاسْتَعِينُوا بالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ”، والصّبر خلق مكتسب، يتخلّق به الإنسان، يتمكن بعد التّحلي به من حبس النّفس عن الجزع والهلع والتّشكّي والتسخّط.. فيثبت قلبه ويسكن للقدر والشّرع.

وللصّبر أوجه عدّة، أهمها: الصبر على المعصية، والطاعة، والمصيبة. وقد ذكر الصبر في القرآن الكريم في 82 موضعًا في المدح، وموضعان في الذم. ولا شكّ أن هذه الأرقام توضّح لنا أهمية الصبر، وأهمية التحلي به، لأنه وكما قال الشّاعر:

اصْبِرْ قَليلًا وَكُنْ بِاللهِ مُعْتَصِمًا     لَا تَعْجَلَنْ فَإِنَّ العَجْزَ بِالعَجَلِ

الصَّبْرُ مِثْلَ اسْمِهِ فِي كُلِّ نَائِبَةٍ    لَكِنَّ عَوَاقِبَهُ أَحْلَى مِنَ العَسَلِ

 

  • الصابرون من الأنبياء:

أعظم الناس صبرًا: الأنبياء، والقرآن زاخر بقصصهم وأخبارهم في الصّبر، والله تعالى يذكّر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بالصبر فيقول: “فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ”، ومن لم يسمع منّا بالنبيّ أيوب عليه السلام، النبي الذي صبر على موت أبنائه، وعلى مرضه وفقره..، وهذه قصته باختصار في بعض الأحاديث بلفظ المستدرك:

” إنَّ أيوب نبي الله لبث به بلاؤه خمسة عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلين من إخوانه، كانا من أخصِّ إخوانه، قد كانا يغدوان إليه، ويروحان. فقال أحدهما لصاحبه ذات يوم: نعلم والله، لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين. فقال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثمانية عشر سنة لم يرحمه الله، فكشف عنه ما به. فلما راحا إلى أيوب، لم يصبر الرجل حتى ذكر له ذلك.
فقال له أيوب: لا أدري ما تقول، غير أنَّ الله يعلم أني كنت أمرُّ بالرجلين يتنازعان يذكران الله، فأرجع إلى بيتي، فأكفر عنهما، كراهية أن يذكر الله إلا في حق.
وكان يخرج لحاجته، فإذا قضى حاجته أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ. فلما كان ذات يوم أبطأ عليها، فأوحى الله إلى أيوب في مكانه: أن اركض برجلك، هذا مغتسل بارد وشراب. فاستبطأته، فتلقته، وأقبل عليها، قد أذهب الله ما به من البلاء، وهو أحسن ما كان. فلما رأته، قالت: أي بارك الله فيك، هل رأيت نبي الله هذا المبتلى؟ والله على ذلك ما رأيت رجلا أشبه به منك إذ كان صحيحا! قال: فإني أنا هو.
وكان له أندران: أندر للقمح، وأندر للشعير.
فبعث الله سحابتين، فلما كانت أحدهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الأخرى في أندر الشعير الورق حتى فاض. ”

وخير من نتأسى به في صبره النبي صلى الله عليه وسلم، فقد صبر على أذى قومه له، وخرج من أحبّ البلاد في قلبه مهاجرًا..

 

  • الصابرون من العلماء:

صبر العلماء قديمًا على طلب العلم، فرحلوا من أجله في بقاع كثيرة وبلدان عديدة، وصبروا على جهل الناس، فعلّموهم، وصبروا على الأذى والابتلاء حتى توفّاهم الله. ومنهم أحمد بن حنبل الإمام، صاحب المذهب الحنبليّ، فقد صبر على محنة خلق القرآن، فأوذي وعُذّب وجُلد بالسوط، وقد قال الرافعي عنه: “وكنت لا أزال أعجب من صبر شيخنا أحمد بن حنبل وقد ضرب بين يدي المعتصم بالسياط حتى غشي عليه1 فلم يتحول عن رأيه؛ فعلمت الآن من كلمة السمكة أنه لم يجعل من نفسه للضرب معنى الضرب، ولا عرف للصبر معنى الصبر الآدمي؛ ولو هو صبر على هذا صبر الإنسان لجزع وتحول، ولو ضرب ضرب الإنسان لتألم وتغير؛ ولكنه وضع في نفسه معنى ثبات السنة وبقاء الدين، وأنه هو الأمة كلها لا أحمد بن حنبل, فلو تحول لتحول الناس، ولو ابتدع لابتدعوا؛ فكان صبره صبر أمة كاملة لا صبر رجل فرد، وكان يضرب بالسياط ونفسه فوق معنى الضرب، فلو قرضوه بالمقاريض ونشروه بالمناشير لما نالوا منه شيئا؛ إذ لم يكن جسمه إلا ثوبا عليه، وكان الرجل هو الفكر ليس غير.
هؤلاء قوم لا يرون فضائلهم فضائل, ولكنهم يرونها أمانات قد ائتمنوا عليها من الله لتبقى بهم معانيها في هذه الدنيا؛ فهم يزرعون في الأمم زرعا بيد الله، ولا يملك الزرع غير طبيعته، وما كان المعتصم وهو يريد شيخنا على غير رأيه وعقيدته إلا كالأحمق يقول لشجرة التفاح: أثمري غير التفاح.”

 

  • الصابرون منّا:

التحلي بهذا الخلق ليس بالأمر الهين، لكن دعوني أذكر لكم عن تجربتي الشخصية، ففي كتابي: على قيد الأمل، ذكرت قصة جعلتني أشحذ همتي من أجل الصبر، وأنقلها هنا لتقرأوها جميعًا:

“عن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس رضي الله عنهما: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ فقلت: بلى. قال: هذه المرأة السّوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إني أُصرع وإني أتكشّف، فادع الله تعالى لي. قال: إنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُعَافِيَكِ. فقالت: أصبر. فقالت: إني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف. فدعا لها”

“فربما كان مرضي ابتلاءً يمتحن الله به صبري، ولي أجر إن فعلت، فكنت كلّما ضعفت أتذكر هذا الحديث فأتقوى..”

وهكذا أنصحكم ببعض الخطوات التي تجعلكم من الصابرين:

  • اقرأ عن الصابرين: تعمّدت أن أجعل المقالة تحكي عن قصص لنماذج من الصابرين، لكن أترك لكم الحرية في اختيار نماذج أخرى تجعلونها عبرة، وأذكر هنا كتاب: “عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين” لابن قيّم الجوزية.
  • تذكّر أن للصبر جزاءً، لا حدودًا: فإن صبرت، وكنت على ثقة من أن الله يدبر لك مخرجًا نلت جزاء صبرك أجرًا عظيمًا، أما إن تقاعست وقلت: للصبر حدود، عشت أبد الدهر شاكيًا.
  • حافظ على صلواتك: يقول تعالى: “وَاسْتَعِينُوا بالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ”، لا شك أن الله ما قرنهما إلا لغاية، فالصلاة تصقل نفسك على الصبر، وكذلك الصيام، إذ نصح به رسول الله لمن لم يستطع الزواج.
  • تناسى مشاكلك وهمومك وابتلاءك بما يسرك أن تفعله: وهنا أنقل تجربتي مع المرض، إذ إنني تناسيته بما كنت أتعلمه، وجعلت طموحي متنفسًا فنسيت مرضي حتى منّ الله عليّ بالشفاء.

وتذكّر أن الصّبر خلق الأنبياء وورثتهم من العلماء، فلا تتقاعس عنه.

 

 سورة البقرة، الآية 45.

 سورة الأحقاف، الآية 35.

مصطفى صادق الرافعي، وحي القلم، المجلد2، ص144.

 

 

كتبه: صالح هليل – أخصائي اجتماعي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق