النجاح والفشل عند الغرب والعرب

كتبه: احمد بني قيس

من ظواهر الحياة السلبية علمياً وحضارياً التي نعاني منها نحن العرب والتي يجب أن نقر بوجودها ويجب أن نقر أيضاً بصعوبة التخلص منها، هي ظاهرة محاربة النجاح والناجحين والتي يمارسها الكثير ويتعرض لها الكثير، وأسباب وجود هذه الظاهرة عديدة؛ فمن بين أسباب وجودها مثلاً سيطرة بعض المشاعر السلوكية السلبية التي تنفر من يمارسون هذه الظاهرة من الناجح وتدفعهم دفعاً لعدم دعمه والإشادة به إما خوفاً من تكبره وتعاليه عليهم أو خوفاً من الشعور بالدونية عند مقارنة أنفسهم به إضافةً إلى غيرها من الأسباب المختلفة التي تجعل ممارسة هذه الظاهرة مستشرية بل وسمة من سمات العرب، وهنا يحضرني قول العالم المصري الشهير أحمد زويل عند مقارنته بين الغرب والعرب فيما يتعلق بالنجاح والفشل حين قال:

“الغرب ليسوا عباقرة ونحن لسنا أغبياء هم فقط يدعمون الفاشل حتى ينجح ونحن نحارب الناجح حتى يفشل”.

إذًا الأسباب التي من شأنها أن تُفرّخ دواعي ومسببات وجود هذه الظاهرة كثيرة ومتعددة ومختلفة وهنا يبرز سؤال مهم يفرض نفسه علينا جميعًا، وهو كيف يجب على الناجحين منّا التصرف عند تعرضهم لهذه الظاهرة كما يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية عن أخيه وهو كيف علينا كمجتمعات عربية محاربة هذه الظاهرة والوصول إلى قناعة تامة بأهمية التخلص منها؟.

إن ممّا لا شك فيه أن تفشي هذه الظاهرة في المجتمعات العربية أسهم في تخلفها كما أنه أسهم في تحطيم الكثير من الطموحات والأحلام والتطلعات عند المتميزين من أبنائها وبناتها بحيث جعلت منهم مجرد هياكل فكرية تعيش فقط على هامش الإبداع والإنجاز الأمر الذي تسبب في تدني واختفاء عوامل التطور والتقدم الحضاري في هذه المجتمعات ممّا عزز تنامي مظاهر الجهل والتخلف بين أفرادها الأمر الذي يُحتم علينا جميعًا أن ندق ناقوس الخطر وأن نبادر إلى مواجهة ظاهرة محاربة النجاح والناجحين والعمل على تحييدها وعدم السماح بتفاقمها وانتشار سلبياتها، لأننا وببساطة شديدة سنكون نحن العرب ومجتمعاتنا الوحيدين الذين سيدفعون ثمن تفشي هذه الظاهرة وعدم مجابهتها.

وكما تتعدد أسباب وجود هذه الظاهرة تتعدد أيضًا أساليب مواجهتها ولعل أهم أمر علينا توفيره في هذا الجانب هو توفير عوامل مجتمعية ومؤسساتية رئيسية عدة؛ منها مثلاً التربية الحسنة ودعم طموحات أبنائنا وبناتنا والوقوف إلى جانبهم وأيضاً علينا استغلال وتوظيف مبدأ تكافؤ الفرص والقضاء التام على كل ما قدر يؤثر سلباً على تبنيه وتطبيقه وعلينا أيضاً إنتهاج أسلوب مهم جداً يتلخص في تعزيز الوازع الديني ونشر تشريعاته التي تحث على طلب العلم والتطور والتقدم ودعم الناجح أياً كان مجاله وأيضاً من بين أساليب مواجهة هذه الظاهرة في المجتمعات العربية أسلوب نبذ وعدم تشجيع الحسد والغيرة السلبية في الأسرة والمجتمع يُضاف الى ذلك تفعيل أسلوب العمل على توفير وإرساء قواعد التنافس الشريف بين أبناء وبنات المجتمع والذي من شأنه أن يرسخ قاعدة “ألا يوضع في المكان المناسب إلا الشخص المناسب” أمّا أهم أسلوب علينا إتباعه فهو يتعلق بتنمية وتوفير مختلف الحوافز الإيجابية والفرص للمتميزين من أبنائنا وبناتنا سواءً كانت مادية أو معنوية وهذا الأسلوب تحديداً يقع تحقيقه في المقام الأول على عاتق الدولة التي يجب عليها هي أيضاً أن تقوم بواجبها في هذا الصدد.

أخيراً إن ما يجب أن يعلمه الجميع ساسة ومجتمع إنه مهما كانت تداعيات ظاهرة محاربة النجاح مؤلمة، إلا أن عدم محاربتها والقضاء عليها سيكون أشد إيلاماً وسيكون كفيل بأن يجعل “الشق أكبر من الرقعة” كما يقول المثل الشعبي لذا فعلى الجميع أن يتحمل مسؤولية مواجهة هذه الظاهرة فالمسؤولية تقع على عاتقنا جميعًا دولة ومجتمع ولا تتعلق بطرف دون طرف ممّا يعني أن دورنا في تكثيف وتوحيد الجهود بين طرفيّ المعادلة في مجابهة هذه الظاهرة هو الحل الوحيد لخروجنا من هذا المأزق العلمي والفكري الذي نعيشه خاصةً إذا كانت حقائق الواقع وتجارب المجتمعات المتقدمة تبرهن على أن في تفعيل وتطبيق مثل هذا الحل حَصْدٌ مؤكد لنتائج مثمرة كفيلة بأن تساعدنا وتمكننا من القضاء على هذه الظاهرة كما أنها ستساعدنا أيضاً على خلق مناخ علمي وفكري بنّاء يُسهم في تطورنا ونهضتنا كعرب ويمنحنا المكانة اللائقة بنا كعرب في هذا العالمم والتي نحن أحقّ وأجدر الناس بها.

 

كتبه: احمد بني قيس

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق