نافذة أمل: التفكير الإيجابيّ في مقابل التفكير السّلبيّ:

كتبه: صالح بن هليل - اخصائي اجتماعي

دومًا ما تلهمني حكايات الأخوين غريم، وقد استوحيت عنوان المقالة من إحدى قصصهما؛ وهي قصة: “الغزّالات الثلاث”، تتحدّث القصة عن فتاة كسولة، لم تكن تجيد الغزل، تعبت والدتها منها، فصارت تعنّفها، فلما بكت الفتاة بصوت عالٍ وصادف أن الملكة تمر بموكبها قرب دارهم، سمعت الملكة صوت الفتاة تبكي، فدخلت عليهما وسألت والدتها عن سبب بكاء ابنتها فقالت لها: “أنا لا أستطيع إبعادها عن الغزل، وهي تريد طوال الوقت أن تغزل لكنني امرأة فقيرة وغير قادرة على أن أوفّر لها الكتان”.
وهكذا ألقت الأم بابنتها في مصيبة، فالملكة تعشق الغزل، وأخذت معها الفتاة إلى القصر، وحبستها في غرفة مليئة بالكتان والصوف وقالت لها: “اغزليه، بحلول الصباح فإن فعلت زوجتك ابني، وإن لم تفعلي قتلتك”.
ولكنها لم تكن تجيد أي شيء فصارت تبكي وتولول، فنادتها من النافذة ثلاث نساء.
سأدعكم تطّلعون على تتمة القصة بأنفسكم، الشّاهد عندي أن النافذة جاءتها بأمل لم تكن الفتاة تتوقّعه، لذا من يدري: ما يخبئه لنا المستقبل من مفاجآت…؟
1- الغرفة المظلمة؛ متاعب متراكمة:
تخيل نفسك مكان الفتاة، في غرفة مظلمة وحيدًا، وحولك أكوام الصوف التي تنتظر منك أن تغزلها، وأنت بالفعل تجهل كيفية إدخال الخيط في ثقب إبرة!
جميعنا كذلك، الحياة هكذا، كل منّا وحيد في مشاكله وهمومه ومتاعبه، وهذا يقوده لتلك المصيدة التي وقعت الفتاة فيها: التفكير السلبيّ، وهو ما دفعها للبكاء فأيقنت الهلاك الحتميّ.
يقول الفقي: “الحقيقة أنّ التّفكير السّلبيّ أخطر ممّا يتصوّر أيّ إنسان، فهو يجعل الحياة سلسلة من المتاعب والأحاسيس السّلبيّة والسّلوكيّات السّلبية، وأيضًا النّتائج السّلبية، مثل الأمراض النّفسيّة والعضويّة والشّعور بالضّياع والوحدة والخوف” فالتفكير السلبي أسوء مما تتخيّله، لأنه يحبسك في الماضي، فتواجه مستقبلك بماضيك، الزمان يستمر ويتراكم، وأنت؟ أنت ما تزال هناك بعمر محدّد، ووقت محدّد حيث وقعت على صفحات حياتك ألا تتجاوز تلك المشكلة أبدًا.. وما الذي يحبسك؟ لا شيء، سوى هذا التفكير.
الحقيقة أنّ هذا التفكير له آثار كثيرة، فهو “يبحث ويفكّر في السّلبيّات التي حدثت في الماضي، ويقلق ويخاف من المستقبل، ويعيش الحاضر بأحاسيس سلبية واعتقادات سلبية، تجعل حياته سلسلة من التّحدّيات والمشاكل، والعجيب أنّ الشّخص الذّي يفكّر بسلبيّة عنده قدرة خيالية على العثور على السّلبيات في أيّ شيء حتى لو كان إيجابيًا”، وهنا تذكرت نماذج شخصية كثيرة، جميعنا نمتلك مشاكل وهمومًا، ولكن القوي هو من يحسن التصرّف، والذكيّ هو من لا يجعلها تؤثّر على حياته، أما الفطن؛ فهو ذاك الذي يستفيد منها إيجابيًا في حياته.
ومسبّبات هذا التفكير كثيرة جدًا كما ذكرت؛ بل إن أعظمها تأثيرًا ما أذكّر به في كل مقالة أكتبها، وذلك أن القارئ الجيّد والمتمعن والمتفحص لديننا الإسلام، ولدستورنا القرآن، يجد الدين سمحًا شاسعًا، شمل كل مناحي الحياة، بدءًا من النطق بالشهادة، إلى أبسط الأمور كدخول الخلاء وغيرها.. فأولى بنا أن نلتفت إليه، فكل ما نقع فيه في الحياة نتيجة لإهمالنا له.
2- نافذة أمل؛ ثلاث قوى مهمة:
تحتاج ثلاث غزّالات، أي ثلاث قوى، قوى ثلاثية لتتبنّى التفكير الإيجابي:
– القرار: فتذكّر دائمًا أن قراراتك التي قرّرتها البارحة هي التي تعيش بها اليوم، وقرارات اليوم، تعيش بها غدًا، لذا أحسن اختيار القرارات.
– الاختيار: أنت مسؤول عن نفسك، لذلك أحسن الاختيار.
– المسؤولية: ولو وعيتها لما تحسّرت على النتائج.
إن التفكير الإيجابي “مصدر قوة ومصدر حرية أيضًا؛ مصدر قوة لأنه سيساعدك على التفكير في الحل، حتى تجده، وبذلك تزداد مهارة وثقة وقوة، ومصدر حرية لأنك ستتحرّر من معاناة وآلام سجن التفكير السّلبي وآثاره الجسيمة”.
فالإيجابية تقتضي أن تحافظ على توازنك السليم، مع إدراك ما حولك من المشكلات، فهي أسلوب متكامل في الحياة ويعني التركيز على الإيجابيات في أيّ موقف بدلًا من التركيز على السّلبيات، إنه يعني أن تحسن ظنك بذاتك وأن تظنّ خيرًا في الآخرين، وأن تتبنى الأسلوب الأمثل في الحياة.
يقول نورمان في كتابه: “إنّ أعظم سرّ للتخلص من الشّعور بالنقص الذي هو تعبير آخر عن الشّك العميق في الذات، هو أن تملأ عقلك بالإيمان لدرجة الفيضان […] وطريقة الحصول على الإيمان الفعّل هي الصلاة والكثير من الصلاة”. وهذا ما ذكرته سابقًا، لذا إن كنت تريد تبني هذا التفكير ونبذ الآخر عليك أن تفعل ما فعلته الفتاة الكسولة لمّا نادتها الغزّالات الثلاث: المجازفة. نعم لقد جازفت بإدخالهن القصر ليغزلن لها، ولم تعلم عنهن شيئًا، والمجازفة التي أدعوك إليها مجازفة متقنة، مسطرة ومقننة بمجموعة من القوانين، أو الشروط –إن صحّ التعبير –وهي الآتية:
– اقترب من الله تعالى، توكّل عليه، واستعن به، واجعل أنيسك في وحدتك القرآن.
– اجلس مع نفسك، وفكّر: هل لي أهداف محدّدة في الحياة؟ إن كان لا: سطّر أهدافًا، إن كان نعم: اسعَ إليها.
– انسَ الماضي، ولا تتذكّره إلا لتتعلّم من أخطائك فيه، كلنا نخطئ، نقع وننهض، نحتاج فقط: صبرًا عزيمة، وإصرارًا.
– جدّد طاقتك، حسّن مزاجك، وتأمل الكون والناس من حولك، وتعلم كيف ترضى.
– اختر أصحابك وأصدقاءك، ولا تصادق أيًا كان.
– ركّز على الحل، لا على الصعوبات.
– تحلّ بقيم عليا، واتبعها وحاول أن تجعلها صفتك دائمًا.
– اجعل رؤيتك لأهدافك واضحة جدًا، وبسيطة.
– استفد من التّحديات والصعوبات.
– ثق بنفسك.
وهنا تكمن أهمية هذا التفكير؛ إنه يجعلك ترى نفسك بطريقة مختلفة، وترى الكون من حولك بطريقة مختلفة، وهذا ينعكس على أدائك في الحياة، وبالتالي على النتائج التي تحصل عليها. التفكير الإيجابيّ بسيط جدًا، تذكّر قصص الأنبياء والصالحين، توكلوا على الله فكفاهم، والله يقول: “وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا”.
وأنهي المقالة بنهاية القصة المذكورة، فقد قال الأمير في العرس فجأة معلنًا: “إذًا لن تقرب عروسي الجميلة أي دولاب غزل، منذ الآن وإلى الأبد”، وبذلك تخلصت الفتاة من غزل الكتان المزعج.
فاجعل نهاية متاعبك سعيدة كهذه النهاية.

 

كتبه: صالح بن هليل – اخصائي اجتماعي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق