تغيير اتجاه البوصلة الداخلية – التغيير يبدأ من الداخل

كتبه: جنان صالح – قانونية

قال تعالى في محكم كتابه الكريم:  ( إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ).سورة الرعد(١١)، ص٢٥٠.

بوصلتنا الداخلية دائماً ما تحدد وجهات المبادئ و القيم لدينا، بل و توجه حتى كياننا تبعاً لما تحدده من مبادئ و قيم.

ربما نحن لا نشعر بأن جهاز التحكم بكل ما نقوم به هو بوصلتنا الداخلية بما فيه العقل الباطن و الذي هو موطن المحفزات الداخلية للسلوك، و مقر الطاقة الغريزية و النفسية أيضاً.

ما توصلنا إليه و ما سنتوصل إليه في المستقبل هو نتاج أفكارنا، و العقل الباطن و الذي يسمى بالعقل اللاوعي أو اللاشعور هو الذي يسيطر على هذا.

فلو طرحت سؤال.. ما اسمك؟

ستكون الإجابة معروفة! الجميع سيجيب باسمه.

و هذا هو العقل اللاوعي.. أن العقل مترجم و مبرمج على تلك الإجابة.

لكن لو سألت، ماذا سيحدث غداً؟

هنا سنقف لوهلة، نفكّر يا تُرى ماذا سيحث غداً؛ ثم نجيب، و ربما معظمنا سيجيب لا أعلم، أو سيجيب بما هو مخطِط له.

و هذا جواب ناتج عن العقل الواعي، لكن لو عملنا برمجة للعقل الباطن بأن ما سيحدث في الغد و ما بعد الغد كله خير فسوف يكون جوابنا على ماذا سيحدث غداً؟ ( ج/ كل خير بإذن الله ).

و هكذا سنعمل في بقية اﻷمور، فقط برمجة للعقل الباطن.

فعلى سبيل المثال..

أ- ( انا لست مثالي، لكنني أسعى لِأن أكون مثالي )/ هذه مجرد جملة لكنها تحمل تحت طياتها الكثير، فالشخص لا يمكن أن يكون مثالي بالمعنى الدقيق لكلمة مثالي؛فكلمة مثالي وصف لكل ما هو كامل.

نظراً لطبيعته الإنسانية، حيث إن الإنسان غير معصوم عن اﻷخطاء، كما قال تعالى في محكم كتابه الكريم: ( و ما أُبرئ نفسي إن النفسَ ﻷمارةٌ بالسوءِ إلا ما رحِمَ ربي إن ربي غفورٌ رحيم ). سورة يوسف(٥٣)، ص٢٤٢.

طالما أن فكرة المثالية أشبه بالمستحيل، إذاً هل يعني ذلك أن يتوقف الإنسان عن السعي نحو المثالية!

بالطبع لا، لكن هناك فرق بين الوقوع في الخطأ و الاستمرار على الخطأ و أيضا تفاقم الخطأ.

أولأ: الوقوع في الخطأ أمر مسلّم به، لكن من الضروري أن لا نندم على ما جعلنا نقع في ذلك الخطأ فكما قال الشاعر ابن معصوم المدني: ( دع الندامة لا يذهب بك الندم، فلست أول من زلت به قدم..).

ثانياً: ليس عيب أن نقع في الخطأ لكن العيب أن نستمر على ذلك الخطأ مع علمنا بأنه خطأ.

ثالثاً: أيقنت أن الخوض في تجربة فاشلة، أو الوقوع في خطأ صغير ما هو إلا درس لتدارك الخطأ اﻷكبر، أي إن مهما بلغت عظمة الخطأ الواقع لابُد أن يكون لدغة تُحذرنا من وقوع الخطأ اﻷكبر.

و كل ما يحدث خيرة، حتى وقوعنا في الخطأ هو أيضاً خيرة، ﻷن كما ذكرت أن الوقوع في الخطأ المغتفر خيرة لتدارك الوقوع في الخطأ الغير  مغتفر .

و بذلك علينا أن نعمل برمجة للعقل الباطن، بأننا سنقع كثيراً في اﻷخطاء، لكن يتوجب علينا الحذر.

إن أول ما علينا فعله هو معرفتنا بأننا قد وقعنا في خطأ، أي أن نكتشف الخطأ و من ثم تصحيح الخطأ قبل تفاقمه و تأتي المرحلة الأخيرة بالإقلاع عن ذلك الخطأ.

و بذلك نكون قد حققنا ما نهدف إليه و هو السعي نحو المثالية.. انا خطّاء لكنني لست مديم على اﻷخطاء.

و لا ننسى أيضاً بأن التغيير يبدأ من الداخل، لذلك أقول بأننا نبدأ ببرمجة العقل الباطن الذي هو عبارة عن جهاز يحكمنا و يحكم أفعالنا.

ب- ( أنا أُعطي إذاً انا استحق أن أُعطى)/ ذات مرة قالت لي إحدى الصديقات، انا كثيراً ما أُعطي حتى على حساب راحتي، بل حتى أنني اتنازل عن بعض حقوقي تحت مظلة التضحية، و عندما أحتاج إلى أحدهم لا أجد من يأويني و يسندني فكان جوابي عليها بأننا نحن البشر عبارة عن أجزاء و جميعنا نكمّل بعضنا لبعض، لذا فالحياة قائمة على المشاركة و  التبادل، ليس لأنني أنانية ﻷفكر على هذا النحو لكن هذه هي الحياة، فكان توجيهي لها بأن لا تعُطي من لا يستحق العطاء!

فكل عطاء نحن نبذله، لابد من مردود يعود إلينا، حتى عندما أفعل شيء و أقول قربة إلى الله تعالى، هنا انا أعطي لأنني سأحصل في المقابل على ثواب من عند الله سبحانه تعالى، يعني مثلا لو أنني تصدقت على فقير، هل سأطلب منه خدمة مقابل صدقتي! أم أنها لوجه الله؟ بالطبع أنني لا أنتظر المقابل منه هو، بل أنني أرجو الثواب.

لكنني أوجه الضوء على العلاقات اﻷخرى التي ننتظر المردود مباشرة من صاحبها كالحب مثلا، انا عندما أحب صديق لي فانا أنتظر في المقابل حبه لي..  عندما أقوم بتأدية عملي، انا في المقابل أحصل على راتب.. و هكذا في بقية العلاقات.

لا نغش أنفسنا  بأننا قادرون على العطاء دون اﻷخذ! فكما ذكرت أن حتى الحب الذي نشعر به تجاه أحدهم نحن في المقابل ننتظر تبادل لذلك الشعور.

لذلك نحن نحتاج الى برمجة للعقل بأن كل عطاء له مقابل سواء مباشر أو غير مباشر.

و أيضاً، لا يمكن لشخص أن يتنازل عن حق من حقوقه تحت مسمى التضحية، ﻷننا غير مجبرون على التنازل عن حقوقنا إلا في حالة التبادل أيضاً.

فكل شخص يجب أن يعز نفسه و يرتقي بها و يدللها و لا يجعلها هشّه و سهلة، فإن لنفسك عليك حق.

قال تعالى في محكم كتابه الكريم: ( و جزاؤا سيئةٍ سيئةٌ مثلها فمن عفا و أصلح فأجره على اللهِ إنه لا يحب الظالمين ). سورة الشورى(٤٠)، ص٤٨٧.
كما ذكرت أن الحياة قائمة على التبادل إن كان خيراً فخير، و إن كان شراً فشر.

و من عفى عمن أساء.. فله أجره عند الله، و لكن أود التنبيه على أمرٍ ما..

في نظري هناك فرق بين العفو و بين تجاهل الحق أو هضم الحق.

  • ففي اﻷولى هناك إقرار بالحق لي لكنني أتنازل عن حقي لوجه الله.

  • أما في الثانية فليس هناك إقرار بالحق إطلاقاً، و المطلوب مني السكوت و المضي قدماً و كأن ليس لي حق في ذلك الشيء بتاتاً، و هذا ما هو إلا خطأ فادح، فلا شيء يُجبر الإنسان على السكوت عن هضم حقه!

إذاً، خلاصة حديثي على هذه النقطة، لا تجبر نفسك على عطاء بدون مقابل، و لا تسمح بأن يُهضم حقك، و برمج عقلك على..( انا أُعطي إذاً انا أستحق أن أُعطى ).

ج- (الإقلاع من المنطقة الخطرة إلى منطقة اﻷمان.. بترويض النفس و كبح جماحها )/ التهيئة بداية كل تغيير، لذا فالإنسان عندما يقرر الإقلاع عن أمرٍ ما أو تغييره أو تحويله من شكلٍ لآخر لابد أن يقوم بتهيئة للذات، ﻷن التغيير ليس بالشيء اليسير، حيث إن النفس عندما تعتاد على أمرٍ ما تكون مبرمجة عليه، فلذلك نحن نحتاج الى إعادة برمجة، و نبدأ كما ذكرت بالعقل الباطن، على سبيل المثال.. عندما يعتاد المرء على ممارسة عادة سيئة كالكذب! يصبح اﻷمر و كأنه شيء عادي و طبيعي بالنسبةِ له أي كشرب الماء كما يُقال، لذا لابد أن يكتشف أولاً بأن ذلك الشيء أصلاً ليس بالشيء الطبيعي سواء بنفسه أو بتحذير و تنبيه من أقاربه، و من ثم يبدأ بمراقبة نفسه و إقناعها على خطورة هذا اﻷمر حيث إن هذه  صفة من الممكن أن تدمر صاحبها إن أصبحت عادة! و بالتدريج يحدث الإقلاع.. بالأكتشاف أولاً كما ذكرت و من ثم معرفة خطورة الصفة أو العادة أو أيٍ كان و بعدها يبدأ بعمل البرمجة حتى يستطيع الإقلاع من منطقة الخطر إلى منطقة اﻷمان.

  • نحن البشر عبارة عن أجزاء نكمّل بعضنا لبعض، و كأننا نخوض معركة ضد الظلام لننير العتمة، فكل منّا يحتاج إلى مُرشد يساعده على التنقل من منطقة إلى منطقة، سواء بالتنبيه عند الذهاب إلى منطقة الخطر أو بالمساعدة على الإقلاع من تلك المنطقة.

ذكرت أن التغيير يبدأ من الداخل ببرمجة العقل الباطن، لكن لا نغفل عن أن العوامل الخارجية لها تأثيرها في المراحل التالية لمرحلة برمجة العقل، بما فيها نحن.. بصفتنا أب/أم، أخ/أخت، صديق/ة، زوج/ة.. أو أي ما كانت صفتنا، كعامل مؤثر في التغيير الذي سيحصل.

لذا إن كنت تستطيع أن تؤثر بشكلٍ نافع و إلا! قف مكتوف اﻷيدي مربوط اللسان و لا تثير ما لا ينفع.

 

كتبه: جنان صالح – قانونية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق