تركيا بين الاقتباس والانسلاخ

كتبه: احمد بني قيس

لقد خلقنا الله مختلفين، مختلفين في الهيئة مختلفين في الطباع مختلفين في التفكير مختلفين في اللون مختلفين حتى في العقيدة والعادات والتقاليد وجميع هذه الاختلافات عوامل وأسس ما يمكن تسميته بالثقافات التي تختلف وتتباين بين مجتمع وآخر وسنّة الاختلاف هذه تؤكد على ضرورة الاقتناع بوجودها وأهمية معرفة كيفية التعامل معها فهي من المفترض أن تجعلنا نتقبل بعضنا البعض ونتعرف على بعضنا البعض لا أن يحارب بعضنا البعض أو يبغض بعضنا البعض خاصةً وأن ربنا جلّ في علاه يقول لنا نحن المسلمين في محكم تنزيله: “وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا” إلا أن هذه السنّة والفطرة البشرية جعلت الكثير من الأمم لا تجيد التعامل مع هذا الاختلاف فتقع بالتالي ضحية أحد أمرين إما الانفتاح المبالغ فيه على الآخر فتفقد ثقافتها وأهم ما يميزها أو نقيضه تماماً وهو الإنغلاق التام والعيش في عزلة ثقافية وحضارية تؤكد حقائق التاريخ والواقع أن مصير هكذا ثقافة هو الاندثار والزوال وما يهمني في هذا الشأن تحديداً هو الحديث عنّا نحن المسلمين وعن كيف لنا أن نجمع بين الاقتباس من الثقافات الأخرى ما يثري ثقافتنا ويزيدها نوراً وإزدهاراً وبين الابقاء في الوقت نفسه على ثوابتنا التي تعزز من قيمتنا ودورنا المحوري والهام في في نهضة وتطور الثقافات والأمم؟.

لقد أثبتت وقائع وتجارب المجتمعات الاسلامية التي ميّعت ثقافتها الاسلامية وعملت على تبني ثقافة مجتمعات أخرى دون أدنى تمحيص منها أو تروّي كانت السبب الرئيسي في خلخلة ثوابت هذه المجتمعات وخلق ضبابية عند شعوبها حول النظرة تجاه ثقافتها ومدى أهمية حفظ هذه الثقافة والدفاع عنها ولعل أهم وأبرز هذه المجتمعات التي تبنت هذا التوجه هو المجتمع التركي أو لنقل الدولة التركية والذي قاد دفة هذا التمييع فيها بل والتخلي عن كافة الثوابت الاسلامية والثقافية هو أحد أبرز قادتها المُسمى بمصطفى كمال أتاتورك والذي كان أول من قام بتجريم ممارسة كافة المظاهر الدينية وعمل على قلب ثوابت المجتمع التركي التي كانت سائدة حينها رأساً على عقب في محاولة منه للتقرب من المجتمعات الأوروبية المجاورة لبلاده وأستمر هذا النهج عند كل من تعاقب على قيادة الدولة التركية من بعده بل إن التنازلات المعادية لنهج الاسلام وثوابته التي كان يتصور هؤلاء القادة الأتراك أنها ستقربهم أكثر للمحيط والثقافة الاوروبية وستسمح لهم بالانضمام لاحقاً إلى الاتحاد الأوروبي لم تجدهم نفعاً وكلما قدموا تنازلاً في سبيل تحقيق هذا الانضمام أشترط الاوروبيين تنازل آخر أكبر ومن بين هذه التنازلات مثلاً التي قدموها إضافةً إلى تجريم الممارسات الدينية ومختلف مظاهرها سالفة الذكر السماح بممارسة الدعارة رسمياً والسماح بفتح البارات والمراقص بل وصل بهم حال التنازلات إلى حد عدم تجريم العلاقات المثلّية (اللواط والسحاق) وعدم ممانعتهم في تعبير شريحة المثليين عن هذه العلاقة الشاذة علناً وكل هذه التنازلات المناقضة لكل المفاهيم والثوابت الاسلامية كان هدفها الوحيد التقرب من الغرب الاوروبي وأن تصبح تركيا جزء منه إلا أن تحقيق هذا الحلم ذهب أدراج الرياح رغم كل التنازلات التي قدمتها تركيا حيث استمر رفض أوروبا قاطبةً لتلبية هذا الحلم التركي قائماً ممّا تسبب في كارثتين حلّت بالمجتمع التركي أولاها تخليه ثقافياً عن التمسك بدينه وكافة ضوابطه وتعاليمه وثانيها نبذ المجتمعات الاسلامية له وعدم اعتباره مجتمع مسلم بحق يطبق جميع ما يأمر به الاسلام ويُجرّم ما يخالفه وظل الوضع الثقافي التركي على ما هو عليه إلى أن يئس القادة الاتراك تماماً من قبول أوروبا بهم رغم كل ما فعلوه وتنازلوا عنه مما جعلهم يعيدون التفكير في حالهم وما يتطلبه من تغيير وأتضحت هذه المراجعة في قدوم قائد تركي جديد يدعى عدنان منديس والذي بالمناسبة تم اعدامه لاحقاً إثر انقلاب عسكري قام به الجيش التركي عليه حيث قام هذا القائد بإعادة الاذان وبعض المظاهر الاسلامية الأخرى مع الابقاء على كافة التنازلات اللاإسلامية سالفة الذكر التي قام بها أسلافه وكانت هذه المرحلة بداية لغرس بذور تحول فكري وسياسي في تركيا حيث بدأت بوصلة السياسة التركية تتجه شرقاً بعد تبخر حلمها في تحقيق أي إنجاز على صعيد التوجه غرباً إلا أنها في هذا التحول الجديد بدلاً من أن تعود لحاضنتها الاسلامية بأفعال وأقوال صادقة تكسب بها ثقة قادة وأبناء المجتمعات الاسلامية المجاورة لها التي تود استقطابها والحصول على مساعدتها في تحقيق رغبتها الجديدة، نراها إتخذت سياسات معادية للكثير من هذه المجتمعات ممّا نفّر غالبية هذه المجتمعات منها الأمر الذي يبشر بحلول فشل جديد لها في تحقيق هدفها الشرقي بعد فشلها الذريع في تحقيق هدفها الغربي والذي يعتبر في حد ذاته أكبر كارثة يمكن أن يتعرض لها أي مجتمع يفرط في ثوابته ومرتكزاته ومختلف عوامل استقراره.

لقد أثبت المثال التركي أن انسلاخك من ثقافتك ومهاجمتها وتجريمها سعياً لتحقيق مكسب أياً كان نوعه هو أكبر جريمة ترتكبها بحق نفسك وبحق مجتمعك والأهم بحق ثقافتك وسيظهرك بمظهر الضعيف المفتقر لأبسط مقومات الاحترام والمعاملة كند ولن يجلب لك إلا الاحتقار والانتقاص منك حتى لو توهمت العكس فالقوي لا يحترم أبداً إلا القوي والضعيف لن يستطيع مقاومة القوي مهما حاول استدرار عطفه ومن مظاهر القوة افتخارك بثقافتك واعتزازك بها وعدم تفريطك فيها وهذه القاعدة لا تنطبق على تركيا فقط وإنما على كل مجتمع ينهج نهجها سالف الذكر فمن لا يحترم ثقافته لن يحترمه أحد ومن يتخلى عنها لن يستطيع تعويضها فالفرق بين الاقتباس الثقافي والانسلاخ الثقافي كالفرق بين من يقتني من الملابس ما يستره وبين من يخلعها كاشفاً للناس عورته.

 

كتبه: احمد بني قيس

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق