رمزية الخيمة .. من المقدس إلى المدنس

بقلم: أحمد إبراهيم مسودي

لَبَيتٌ تَخفِقُ الأرواحُ فيه
أَحَبُّ إليَّ مِن قَصرٍ مُنيفِ.!
هكذا تغنت ميسون الكلبية بحب خيمتها وحنينها إليها.
وهكذا عبرت عن تفضيلها لحياة الخيمة البسيطة على حياة القصر الفاره، وأي قصر!!
إنه قصر الخلافة!!
قصر الخليفة معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه-
هكذا هو حب العربي لخيمته وتعلقه بها.
فللخيمة العربية في التراث العربي مكانة سامية ومنزلة رفيعة بوصفها رمزاً للأصالة والعروبة، فقد رافقت الإنسان العربي في حله وترحاله، وظل وفياً لها وظلت وفية له على مر السنين، تسافر معه وتتنقل عبر الزمان والمكان، فكانت نعم الرفيق.
فحين يشتد لهيب الشمس الحارقة يأوي إليها لاتقاء الحرارة، وحين يأتي الشتاء ببرده وصقيعه يلجأ إلى أحضانها ليتمتع بدفئها.
كانت مكاناً تجتمع فيه القبيلة لإدارة شؤونها، ورسم سياساتها وعلاقة الأفراد داخلها، وعلاقاتها مع بقية القبائل.
يجتمع فيها الصحب و السمار ليقطعوا ساعات الليالي الطوال بأحاديث الفروسية والشعر والسمر والقصص.
لقد شكلت الخيمة في المخيال العربي رمزاً لمكارم الأخلاق من إكرام ضيف ونخوة ونجدة جار وإغاثة محتاج.
أما واقع الخيمة اليوم فهو واقع مشوه!!
نعم واقع جد مشوه!!
لقد شوهوا قداسة الخيمة العربية وأصبحت مرتعاً للفتن والخيانة واللؤم، وتحولت من مقدّس إلى مدنّس.
تحولت من نجدة جار إلى تآمر على الجار وخيانة للأوطان وبؤرة لزرع الفتن والقلاقل والخراب في البلاد الآمنة المطمئنة.
وقد أحسن الشاعر الإيطالي “دانتي ألغييري” في ملحمته الخيالية الخالدة “الكوميديا الإلهية”حين وضع خونة الأوطان في “الحفرة اللعينة” في قعر جحيمه حيث يسكن الشيطان.
نعم هذا هو مكانهم الطبيعي.
ولكن ماذا حلّ بعد تلك الخيانات؟
الذي حصل هو انتصار الحق والقيم واندحار الباطل وأهله، فقد ذهبت الخيمة وتحولت إلى أطلال تذروها الرياح، وذهب صاحبها مذموماً على كل لسان مسحولاً تحت الأقدام، وسيذهب زوارها إلى مزبلة التاريخ؛ وربما لن تقبل بهم!
و بقيت بلاد العز مشعل نور ومنارة أمن وأمان شامخة راسخة بتوحيدها وحكمة حكامها وتكاتف أبنائها ووعيهم بالمؤامرات التي تحاك خلف الأستار للنيل من وطنهم وأمنهم.
وأخيراً: كما استقبلتنا ميسون الكلبية بأغنية الأشواق ونغمات الحنين إلى خيمتها؛ تأبى إلا أن تودعنا بأنشودة حب الوطن و سيمفونية الوفاء لترابه الشريف إذ تقول:
فما أبغي سوى وطني بديلاً
‏وما أبهاهُ من وطنٍ شريفِ.!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق