من القاع إلى القمة 

كتبه: احمد بني قيس

قبل ما يقارب الثلاثون عاماً ونَيِّفْ سافر شاب طالباً للعلم خارج بلاده في عمرٍ غَضّ لا يتجاوز التسعة عشر ربيعاً وكانت هذه السفرة هي أول سفرة له في حياته خارج مدينته وحيداً ناهيك عن وطنه الأمر الذي مثّل له نقطة تحول مجتمعي وحضاري ونفسي كبيرة جداً لم يكن مهيئاً لها إطلاقاً مما ترتب على ذلك حدوث عواقب سلبية جداً لم تكن لتخطر حينها على بال أي شخص سواء باله هو أو بال ذويه أو حتى بال كل من كان يعرفه وكادت هذه العواقب من عِظَمِ تأثيرها عليه أن تفقده صوابه بل وتدمر حتى حياته لولا أن الله لطف به في نهاية تلك التجربة ورحمه وفرج عنه من كل ما أبتلاه به من كربات ومحن وسنأتي على تفاصيل هذه التجربة في هذا المقال وكيف بدأت إرهاصاتها ثم كيف توقفت مؤقتاً في ضروف مأساوية وقاسية ثم كيف عادت مجدداً إلى الحياة بعد انقطاع دام خمس سنوات كي تصل أخيراً بعد سنتين من عودتها إلى نهايتها الملهمة والسعيدة والهدف من كتابتي عن هذه التجربة ليس فقط سردها وإنما أيضاً أخذ العبرة والعظة وإستلهام الدروس منها.

 

 

تبدأ أحداث هذه التجربة بعد وصول هذا الشاب إلى هذا المجتمع الجديد والغريب عليه في ثقافته وأنماط سلوك أفراده وطريقة تفكيرهم حيث تعرض هذا الشاب للكثير من الصدمات نتيجة لكل ما ذكرته من اختلافات لم يتعود عليها ولم يكن يعرف كيف يتعامل معها في مجتمعه الأم ممّا أوجد عنده حاله إضطراب فكري ونفسي شديد وممّا زاد الطين بِلة عند هذا الشاب أنه تعرف أثناء بداية إقامته في ذلك المجتمع على بيئة إحتضنته ورعته وخففت من وطأة صدمات ذلك المجتمع عليه أو هكذا تصور مخطئاً حيث ظنّها في بداية الأمر بيئة صحية وآمنة له بحكم أن جميع أفرادها يتحدثون نفس لغته الأم وإن كانوا لا ينتمون جميعهم لمجتمعه الأصلي إلا أن ما أثبته الواقع له لاحقاً أن إحتضان هذه البيئة له كان أعظم وبال حلّ به والسبب أن جميع أفرادها كانوا يحملون أفكار وتوجهات غير منسجمة إطلاقاً مع كل ما تربى ونشأ عليه هذا الشاب بل ومناقضة لها تماماً ولكي يتمكن هذا الشاب من التعايش مع هذه البيئة التي كان يتعشم فيها الخير في بداية الأمر حاول التعرف أكثر على هذه التوجهات والأفكار ونتيجة لعوامل كثيرة لا يمكن حصرها تأثر بهذه التوجهات والأفكار ثم للأسف تبناها لاحقاً الأمر الذي تسبب في زعزعة ثقته في الكثير من الثوابت التي كان يؤمن بها مجتمعياً ودينياً ممّا ترتب على ذلك حدوث تشويش فكري ونفسي شديدين عند الشاب أسهما بشكل مباشر في تراجع اهتمامه بالتحصيل العلمي والذي كان الهدف الرئيسي من تواجده هناك وجعل اهتمامه الكامل ينصبَّ على التعمق والقراءة والبحث في هذه التوجهات الفكرية الجديدة عليه ولكن من المفارقات التي عاشها ذلك الشاب في حينه أنه رغم هذا الانشغال الفكري الذي طرأ عليه والذي تسبب لاحقاً في إفشال تجربته العلمية وتسبب أيضاً في إصابته بحالة نفسية شديدة قاسى منها الأمرّين إلا أنه تمكن من استيفاء الشروط المطلوب توفرها فيه للحصول على بعثة رسمية من حكومة بلاده بعد مضي ما يقارب السنتين من وصوله لذلك البلد الأمر الذي جعله في أريحية مادية أكبر دفعته هذه الأريحية إلى العيش في مكان أفضل لم يكن بمقدوره سابقاً العيش فيه ولكن كان من سلبيات هذا النجاح المؤقت التسبب في إرباك علاقته ببيئته التي كان يعيش فيها وتوتر علاقته بها ثم فك ارتباطه بها تماماً فيما بعد نتيجة بدء أفراد هذه البيئة في نبذ الشاب والابتعاد عنه وتغير معاملتهم له لأسباب كثيرة لم تكن معروفة لدى الشاب وكانت هذه الفرقة بينه وبين بيئته الحاضنة في تلك البلاد تمثل بداية النهاية لتحقيق حلمه الذي كان يسعى لتحقيقه والذي هجر بلاده وأهله من أجله حيث بدأت ملامح تجربته النفسية المريرة تتضح له وتعلن له عن بداية أولى فصولها بعد حدوث هذا الانقطاع عن تلك البيئة وبقاءه وحيداً غريباً في ذلك المجتمع الذي لم يستطيع التكيف معه حتى بعد سنين من العيش فيه وتطورت لاحقاً  هذه الملامح النفسية المؤلمة لتصبح حالة مرضية قاسية أدرك هو نفسه وجودها مما جعله يلجأ لإحدى المصحات النفسية في تلك البلاد محاولاً تدارك ما يمكن تداركه إلا أن حالته ازدادت سوءاً الأمر الذي جعله يقرر أخيراً اتخاذ أصعب قرار في حياته في تلك المرحلة وهو إلغاء منحته الدراسية والعودة لبلاده دون تحقيق وإكمال ما سافر من أجل تحقيقه ولكنه رغم إدراكه لعواقب وتبعات ذلك القرار السلبية إلا أنه قام بإتخاذه وتنفيذه ولكن ما لم يكن يدركه هو حجم تلك التبعات والعواقب السلبية التي سيتعرض لها عند عودته وهو في تلك الحالة النفسية الصعبة وهذا فعلاً ما حصل حيث تجاهل الجميع إحتمال إصابته بمرض نفسي يفسر حالته المتردية جداً وبدلاً من ذلك تم التركيز على أسباب أخرى وتفسيرات كان يراها الجميع عندهم مؤكدة وتفسر حالته لهم كتعاطيه للمخدرات مثلاً وممارسته لغيرها من الانحرافات السلوكية والاخلاقية وكان أحسن الناس ظناً بأسباب حالته في ذلك الوقت يحيلها إلى إصابته بما يعرف في مجتمعه بالمسّ وهو لمن لا يعرفه مصطلح يعبر عن تلبس الشياطين والارواح الشريرة بالأنسان وتسببها في إصابته بأعراض مشابهة للاعراض التي كان ذلك الشاب يعاني منها.

 

 

كانت كل هذه التهم والافتراءات مجتمعه والتي كان يراها ويسمع بها ذلك الشاب تفاقم من سوء حالته النفسية وتزيده وهناً على وهن إلى درجة أنه طلب من ذويه أخذه لإجراء تحاليل طبية تبرئ ساحته من التهم اللاأخلاقية والانحرافات اللادينية التي ألصقها الجميع به إلا أن والده تحديداً والذي شكل الحجر الرئيس في رحلة تعافي إبنه لاحقاً كان مدركاً ومؤمناً أن إبنه أبعد ما يكون عن ممارسة مثل تلك السلوكيات فرفض طلب إبنه قائلاً له أنا أعرفك وأعرف أخلاقك ولا أحتاج أن تثبتها لي ولكن المعضلة التي كان يواجهها والده أنه لم يتبقى له إلا سبب وحيد يفسر حالة ابنه المؤلمة والتي أدمت قلبه وهو المَسّ كما ذكرت سابقاً والذي كان ولازال يُمثل شماعة تستخدم من قبل غالبية أفراد مجتمع ذاك الشاب لتفسير الحالات النفسية وأسباب وجودها ويحملونها أولئك الأفراد كل ما لا يمكنهم إدراكه أو فهمه أو تفسيره علمياً وطبياً فدفع هذا الأمر والده إلى طرق باب الكثير من مشاهير الرقاة الذي عُرِفوا في حينه بقدرتهم على علاج هكذا حالات ولكنهم جميعاً فشلوا ولم يستطيعوا رغم شهرتهم في ذلك المجال إدراك أن ما يعانيه هذا الشاب لا علاقة له بالمسّ أو تعاطي المخدرات إطلاقاً وإنما هو مجرد عارض نفسي يمكن علاجه والشفاء منه وفِي هذه الإشارة عبّرة أودّ التأكيد عليها وهي أن هناك الكثير ممن يدّعون قدرتهم على علاج مثل هذه الحالات ولكنهم من فرط جهلهم بها لا يستطيعون التفريق بين المسّ وبين المرض النفسي فيقع الكثير من المرضى النفسيين للأسف ضحية لهذا الجهل المستشري عند هؤلاء وعند العامة الذين يصدقونهم بل ويشيدون ويلزمون الآخرين باللجوء إليهم.

 

 

أخيراً وبعد مرور فترة من المعاناة قرر والد هذا الشاب الذهاب به إلى طبيب نفسي وكان ذلك القرار بمثابة حبل نجاة ألقاه الله عز وجل لذلك الشاب لينتشله مما هو فيه من بلاء وسقم حيث تم تشخيص حالته على أنه يعاني من مرض نفسي معين وبعد تلقيه العلاج الملائم له بدأ في التعافي تدريجياً إلى أن مَنّ الله عليه بالشفاء الكامل وعاد إلى ممارسة حياته بشكل طبيعي قدر الإمكان وأقول قدر الإمكان بسبب كل ما كان يعانيه من منغصات سببتها تلك التهم الظالمة التي لم يتخلى عنها أصحابها حتى بعد تعافيه ممّا كان يعانيه والتي استمرت في ملاحقته في تلك الفترة وظلّت ملازمةً له إلا إن المبهج في هذه الناحية تحديداً أن تلك المنغصات وبفضل الله كانت تزيده إصراراً على إقالة نفسه من عثرتها وعلى تحقيق هدفه العلمي وتحسين صورته العلمية والاخلاقية عند ذويه وأقاربه وأبناء مجتمعه فحاول إكمال دراسته في بلده إلا أنه وللأسف لم يتمكن من فعل ذلك نتيجةً للبيروقراطية السائدة في تلك الفترة في مؤسسات بلاده التعليمية وبعد أن أعيته السُّبُلْ في هذا الجانب قرر العودة لخارج البلاد مرة أخرى لأكمال تعليمه ولكنه أبقى هذه الرغبة طي الكتمان ولم يخبر بها أحداً وذلك لوقوف الحاجز المالي عائقاً بينه وبين العودة فوراً إلى الخارج وأيضاً لعدم رغبته في تحميل والده تكاليف إضافية في سبيل تحقيق ذلك الهدف فقرر إرجاء الأمر والاعتماد على نفسه في جمع التكاليف التي تتطلبها العودة قبل أن يفاتح والديه ويخبرها بما هو عازم عليه فيسر الله له العمل في مهنتين مختلفتين في نفس الوقت لعدة سنوات ممّا مكّنه أخيراً من جمع ما يكفي من المال ليساعده على إنجاز رغبته وحين أخبر والديه بعزمه العودة لإكمال دراسته رفضا ذلك رفضاً شديداً إلا أنه ألح عليهما وأقنعهما بأهدافه العلمية والمجتمعية التي يريد تحقيقها فوافق والداه بعد جهدٍ جهيد وعاد الشاب إلى بلد الغربة السابق وكان له ما أراد حيث تمكن بعد مضي سنتين من عودته إلى هناك من إكمال دراسته بنجاح والعودة لبلده وأهله وذويه مرفوع الرأس مفتخراً بما حققه رغم كل الصعاب التي واجهها والتي لم يكن يحلم في صغره مجرد حلم أنه قد يتعرض لها في يوم من الأيام.

 

 

أخيراً بعد الانتهاء من سرد تجربة هذا الشاب المريرة ثم تمكنه بفضل الله من التغلب علي مختلف تحدياتها وتمكنه أيضاً من جَعّلِها أثراًً بعد عين أودّ الإشارة إلى ما أراه أنا دروس مستفادة من سرد هكذا تجربة وهي دروس أراها في غاية الأهمية وعلينا جميعاً عدم إهمالها أو تجاهلها أو التقليل من شأنها وتتلخص هذه الدروس في عدة أمور أولها هو أن علينا العناية الفائقة بغرس المفاهيم الدينية السليمة عند أبناءنا وبناتنا بل وحتى عند أنفسنا والعمل على تعزيزها بعد التأكد من مدى صوابها ثم علينا ثانياً الاهتمام الكبير بزرع الثقة بالنفس عند الأبناء والبنات وعدم التخلي عنهم أو الانجراف وراء ما يقال عنهم سلباً والتعامل معهم بناءً عليه وأيضاً من الدروس المستفادة أهمية عدم الإذعان والانصياع لفتاوي وإرشادات الجهلة وقليلي العلم والمعرفة خاصة فيما يتعلق بالصحة ومستلزماتها كما أن علينا العناية بدراسة مختلف العوامل السلبية والايجابية المحتمل حدوثها قبل إتخاذ أي قرار واستشارة أهل العلم والمعرفة الحقيقيين بشأنه قبل الشروع فيه وختاماً علينا إدراك أن الاقتناع بصواب العادات والتقاليد الشاذة التي ينبذها الدين قبل العقل والمنطق وتحريم المساس بهما هو أخطر علينا بكثير من وجودهما وأن تداعيات التمسك بهما سيدفع ثمنها الجميع وبالذات صغار السن قليلي التجربة والخبرة في شؤون الدنيا والدين.

 

كتبه: احمد بني قيس

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق