فرسان التواصل الاجتماعي بين أُسُود وضباع

كتبه: حواس العبيدان

لفت انتباه الكثير ممن يحترمون أقلامهم ويحافظون على هوية ثقافتهم في الأونة الأخيرة كثرة الكُتّاب والشعراء والرواة والمدونين في وسائل التواصل الاجتماعي وكذلك الصحافة الإلكترونية والقنوات الفضائية. ليس هذا فحسب بل كَثر تأليف الروايات ودواوين الشعر وبعض الكتب التي ليس لها أي قيمة علمية أو أدبية ولم تصدر من أساتذة العلم في الجامعات ولا الأدباء أو الكُتّاب أو الشعراء الذين لهم ثقل في الوسط العلمي والأدبي والإعلامي والثقافي على وجه العموم. وللأسف جُل هذه الأعمال لا ترقى إلى ذوق القارئ المثقف أو حتى القُراء من عامة الناس وسبب ذلك إنها تُطرح للجمهور من أجل إبراز صاحبها فقط مع إفتقارها للمحتوى الجيد وإهمالها للقارئ من جهة أخرى. ولهذا يتجاهل الناس تداولها وتخفق في مبيعاتها وانتشارها في الوسط الثقافي والعلمي، وتبقى حبيسة مكتبة مؤلفها، فلا يجني منها سوى الهدر الوقتي والمالي. ومن المؤكد أن جُل هذه الأعمال لم تعد تعود على صاحبها بالنفع المادي أو الثقافي للمجتمع، حيث تبقى حبيسة المكتبات والقرطاسيات التجارية يعلو عناوينها الغُبار دون الالتفات إليها من الجمهور رغم تكبد صاحبها مبالغ باهظة جراء مراجعات وطباعة وتسويق في معارض الكتب المنتشرة هنا وهناك.
وما يُطرح اليوم من مقالات أو شعر أو روايات من بعض هؤلاء، قليل جدا مقارنة بجودة المحتوى المطلوب والذي يجب أن يجذب القارئ للإطلاع وبالتالي شراء مثل هذه المؤلفات النوعية الجيدة التي تنتهي بفائدة جمة للمجتمع وتعود كذلك بالنفع على صاحبها ثقافيا وماديا. لكن حشو الساحة الإلكترونية والسباق المحموم بين هؤلاء سيما في وسائل التواصل الاجتماعي بالعبارات المسروقة والنصوص المبتورة والصياغة الركيكة والإملاء الضعيفة واستخدام المفردات العامية الغير مفهومة من قبل هؤلاء، ناهيك عن اقتحام كبار السن من الأمية لهذا المجال دون التسلح بأدوات الكتابة واللغة التي تؤهلهم لذلك، في هذا الوسط العنكبوتي والمعلوماتي الوسيع، وهذا مما لا ريب فيه إنه يشوش على الباحث عن المعلومة الجيدة ويهدر من وقته بلا شك وقد يرتكب أخطاء فادحة بسبب حشو الساحة بهذا الكم الهائل من المعلومات المغلوطة والمسروقة أو الناقصة.
دعوني أضرب لكم مثلا بسيطا قد رأيتموه كثيرا في وسائل التواصل الاجتماعي أو برامج القنوات الفضائية الملبدة في غيوم العالم العربي. وقد يكون غريبا نوعا ما لكن تشابه في التطبيق العملي والمبادئ وهذا ما جرنا إلى الإتيان بهذا المشهد الفضيع.
من يشاهد أفلام حياة البرية في القنوات أو وسائل التواصل الاجتماعي خصوصا الفيسبوك، وما يراه من صراع الحيوانات فيما بينها من أجل البقاء أو الدفاع عن نفسها. أول ما سيخطر على بالك هو بعض فرسان وسائل (التواصل الاجتماعي) الذين أقصدهم والذين ملئوا الساحة بالطنين والرنين دون فائدة تذكر.
ولهذا اعتدنا لدى مشاهدتنا أفلام الحياة البرية الطبيعية أن نرى طبقتين من الوحوش. طبقة الوحوش الكاسرة والطيور الجارحة التي تحترم طرق اصطيادها لفرائسها وطرائدها مثل الأسد والنمر والفهد والذئب والعقاب والصقر. فهذه الوحوش والطيور عندما تهاجم طرائدها والإمساك بها تحاول أول ما تفعله هو قتل الفريسة بخنقها من مذبحها حتى تلفظ أنفاسها ومن ثم تقوم بالتهامها أو نقلها لصغارها، فهذا المشهد لا يصدم ولا يؤلم المُشاهد بما إنه أمر طبيعي وكفاح من أجل القوت لإستمرار الحياة وبطرق تبدو أكثر ملائمة لسلوك اصطيادها لفرائسها وقريبة جدا من سلوك البشر في طبيعة الحصول على قوته واستمرار حياته الطبيعية قبل ان يدخل معترك تطور الحضارة وأساليب العيش فيها.
أما النوع الأخر من الوحوش والطيور الأقل فراسةً فهي مثل الضباع والكلاب البرية والثعالب، والطيور مثل الغراب والحدأة وغيرها التي تعتاش على بقايا ما تخلفه الوحوش الكاسرة والطيور الجارحة من بقايا. وأضف معها التماسيح إن أردت، فهي لها طريقتها الوحشية في قتل فرائسها يشمئز منها المشاهد فتحاول نهش الفريسة من كل مكان قبل ان تقطع أنفاسها سيما من المؤخرة أو الذيل أو من ضرعها أو من مكان حساس في الفريسة لدرجة إنها تأكل ربع فريستها ولا تعبأ بصراخ وألم الفريسة الامر الذي يصدمك أثناء مشاهدة هذه الصور ويؤلمك طريقة وسلوك هذه الوحوش والذي يشبه لحد ما سلوك المليشيات في سوريا والعراق في قتل الأبرياء العزل، بينما هذا الفعل لا تقربه الأسود أو النمور أو الفهود وكذلك الطيور مثل الصقر والعقاب أبدا. يدل هذا الأمر على أن حتى في الحيوانات هناك وسط راقي من الوحوش وطبقة تجيد وتحترم استخدام سلوك وأساليب الوسط البيئي للحصول على العيش والقوت بطريقة محترمة دون العبث بالضحية وكذلك لا تقترب من بقايا الفريسة أو الميته أبداً، ولهذا يضرب بها المثل في ثقافتنا العربية.
إيراد مثل هذا المشهد والسيناريو من حياة البرية هو بمثابة وضع البعض الفعلي في الحصول على المعلومة ونشرها بطريقة سليمة ومحترمة باحترام اللغة وأساليب الكتابة والنقل والصياغة وإحترام ملكية اصحابها. والبعض الأخر منهم ينهش المعلومة ويعبث بالصياغة ولا يحترم اللغة ومفرداتها وهو على عجلة من أمره ويريد أن يجير كل معلومة وعبارة جيدة له دون احترام نقلها وصياغتها أو ملكيتها. ليضعك كمثقف أو باحث في حيرة من أمرك وتتسائل كيف وصل الى هذه الوسائل ( الغابة ) دون إمتلاك أدوات تمكنه من المكوث والاستمرار فيها. فالكاتب المحترم والشاعر والراوي وكذلك المدون الذي يحترم مبادئه وقيمه في ثقافة الكتابة أو الشعر أو الأعمال الأدبية عموما لا يستطيع العيش في وسط ينتابه الكثير من ضباع الكتابة وثعالب المفردات وتماسيح السرقة والصياغة وغربان الشعر.
فتجد كاتب يتلون حسب المصلحة ويحاول لي عنق الحقيقة ويعبث في الكتابة وبطرقها وأساليبها حسب رؤيته وكذلك هو الراوي يأتي بالقصص والروايات المبتورة التي تناسب رأيه مع تحريف في حثياتها وتجاهل متعمد لأصحابها، أما الشعراء فحدث ولا حرج فتجد منهم من تسلق الشعر النبطي دون مؤهلات أو مواهب، يمدح من لا يستحق المدح ويثني على من يدفع له أكثر. يجامل أحيانا كُثر وينافق كثيرا، دون رادع قيمي أو وازع ديني أو أخلاقي ومهني،،،

 

كتبه: حواس العبيدان

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق