داء العنصرية في الدولة السعودية … واقع وحلول

كتبه: احمد بن قيس

 

 

أستطيع تسمية العنصرية بالداء القاتل لأي مجتمع يصاب به ورغم وجود ترياق لهذا الداء ينهيه ويقضي عليه تماماً متى ما تم اللجوء إليه إلا أن أغلب المصابين بهذا الداء في نظري لا يرغبون في تناول هذا الترياق بل يستميت بعضهم في عدم تناوله وهذا الترياق تتلخص مكوناته في أمرين الأول هي التعاليم الدينية التي لا تجيز معظمها لمن يعتنقها أن يمارس مثل هذا السلوك عند التعامل مع الآخر والثاني هي المفاهيم الإنسانية التي يتشارك في تبنيها الحكماء من بني البشر والذين يتفق جميعهم على نجاعتها وأهمية التمسك بها، مفاهيم قاعدتها الحثّ على التعامل الحسن بين البشر وتقبل الآخر أياً كان دينه أو عرقه أو لونه ولقد وُجدت في هذا الإطار العديد من المحاولات الرامية لحقن المصابين بداء العنصرية بهذا الترياق إلا أن الواقع يؤكد أن أغلب هذه المحاولات بائت بالفشل وسبب الفشل لا يكمن في سوء الترياق المذكور آنفاً وإنما في عدم تقبل أغلب المصابين بهذا الداء لفكرة تجرعه عن قناعة تامة بجدواه حتى ينعكس مفعوله إيجابياً على سلوكهم وتصرفاتهم سواءً في حياتهم الفردية أو في حياتهم الجمعية ومن المفارقات في هذا الصدد تحديداً وجود من يدعي من هؤلاء المصابين بهذا الداء بأنهم محصنين ضده وأنهم قد تشبعوا بالترياق المشار إليه آنفاً وينفون نفياً قاطعاً ممارستهم للعنصرية أو حتى حثّ غيرهم على ممارستها إلا أننا حين نتأمل في واقعهم المعاش فإننا نكتشف في سلوكهم ومنطقهم ما يخالف ذلك تماماً في تناقض تام بين ما يدّعون الإيمان به وبين ما يمارسونه فعلاً على أرض الواقع وسبب هذا التناقض عندي أن هنالك شريحة كبيرة منهم لا يرون في العنصرية مرض يجب عليهم التخلص منه بل يرون فيها سلوك طبيعي يجب ألا ينتقد أو يحارب والأدهى والأمرّ من ذلك وجود ثقافات في بعض المجتمعات (ولا أقول أن مجتمعنا منها) ترى هذه الثقافات أن في تبنيها للعنصرية وتطبيقها إنسجام تام مع ما تحثها عليه عقائدها الفاسدة وأسس حضارتها الزائفة وهنا تكمن كارثة تلك المجتمعات التي كما ذكرت تتبنى ثقافات تؤدلج مثل هذا الطرح والفكر العنصري المتطرف ممّا يجعلنا نحمد الله أن مجتمعنا لم يصل بعد إلى هذه الدرجة من الانحطاط الثقافي والايديولوجي.

 

إن السبب وراء ذكر أن جميع المجتمعات البشرية تعاني من داء العنصرية حتى لو اختلفت بينها نِسَبْ المعاناة منها هو حتى لا يكون التناول القادم والذي سيتعلق بمدى تأثر المجتمع السعودي بهذا الداء مجرد نوع من أنواع جلد الذات الذي يجب ألا يلتفت له وألا يؤخذ على محمل الجد في نظر البعض وربما الكثير من أفراده ودواعي تركيزي على المجتمع السعودي تعود لسببين السبب الأول لأن هذا المجتمع مجتمعي الذي أحبه وأنتمي إليه ويهمني جداً العناية بوحدة وتآلف أفراده وكذلك ضمان استمرار أمنه واستقراره وسببي الثاني في تسليط الضوء عليه أن المجتمع السعودي تحديداً يجب أن يكون قدوة ومثل أعلى للعالم بأسره وليس للمسلمين فقط وذلك لعدة اعتبارات أولها لوجود قبلة المسلمين بين ظهرانيه ممّا يجعله الواجهة الرئيسية للاسلام وجميع معتنقيه في نظر الجميع مسلمين وغير مسلمين وهذه المكانة تحمله مسؤولية كبيرة معنيّة بإظهار جمال الدين الاسلامي ومدى تسامحه وتسامح معتنقيه وثاني أسباب التركيز عليه لأنه عندي المسؤول الأول عن إظهار حقيقة أن الاسلام دين صالح لأي زمان ومكان دحضاً لكافة المزاعم والافتراءات القائلة بأن دور الاسلام قد ولّى وزال وأنه لم يعد صالحاً للعمل به في هذا الزمان.

 

وإن من بين أنماط العنصرية التي يعاني منها المجتمع السعودي عنصرية غاية في الخطورة نراها وللأسف تتفاقم يوماً بعد يوم وهي تتمثل في العنصرية “القبلية” ونقيضتها المضادة لها والتي يمكن تسميتها بالعنصرية “الحضرية” وهذا النوع من العنصريات المتبادلة هو أعظم خطر يهدد تماسك اللحمة الوطنية للمجتمع واستمرار وحدته وتآلف أفراده ووقوفهم صفاً واحداً أمام جميع التحديات التي يواجهها وطنهم (وطن القبيلي وغير القبيلي) وتتجلى مظاهر هذه العنصرية في وجود شريحة من أبناء القبائل ترى أن غيرها من الأطراف الذين لا تنتمي أصول أجدادهم للسعودية هم غير جديرين بالتعامل معهم كمواطنيين مثلهم مثل أبناء القبائل وتشكك في نواياهم وأهدافهم ممّا تسبب في ظهور عنصرية مضادة سبق الاشارة إليها عند الكثير ممن ينتمون للطرف المتضرر من العنصرية القبلية وتتجلى هذه العنصرية التي أسميتها بالحضرية في جعل من يتبناها ينظر بدونية شديدة نحو شريحة أبناء القبائل ولا يمنحهم الاحترام اللازم حين يحتك بهم وإن كان أفرادها بالطبع ينكرون ذلك ولا يقرون بوجود هكذا ممارسة إلا أننا نعلم جميعاً أن الواقع يقول بخلاف ذلك وهذا التعنصر المتبادل هو في نظري أعظم خطر يهدد وحدة وتماسك المجتمع مما يستدعي التدخل الفعّال من قبل الجميع وخاصةً صنّاع القرار فهم في نظري الوحيدين القادرين على لجم مثل هذا التراشق المتبادل البغيض ووضع حد له حتى لا نندم جميعاً حين لا ينفع الندم كما أن مجتمعنا يعاني من عنصرية أخرى لا تقل خطورة عن العنصرية المذكورة آنفاً وهي العنصرية المختزلة في لون البشرة حيث نجد أن هذا المفهوم العنصري المنتشر والمتداول والذي يقول بأن ذوي البشرة السمراء هم وحدهم من يجب تسميتهم بالعبيد وأن غيرهم من ذوي البشرة غير السمراء أحرار وسادة في تعارض تام مع الحقائق الاسلامية التاريخية التي تفند هكذا مزاعم وخير مثال على ذلك هو ما شهدته حقبة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام حيث أن تلك الحقبة شهدت وجود “عبيد” من ذوي البشرة غير السمراء أمثال صهيب الرومي وسلمان الفارسي رضي الله عنهما والذين أصبحوا بعد إسلامهم من أقرب صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم إليه كما أن هذا الفهم العليل لمفهوم العبودية والرق يتناقض وهذا الأهم مع توجيهات ونهج ديننا الحنيف فالله عز وجل يقول فيما يتعلق بهذا النوع من العنصرية: “يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير”  وكذلك نرى رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم يعزز هذا النهج والتوجيه الربّاني بقوله لأصحابه: “يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى إن أكرمكم عند الله أتقاكم ألا هل بلغت ؟ قالوا : بلى يا رسول الله قال : فليبلغ الشاهد الغائب” وإن في هاذين الاستشهادين الرد الكافي على كل من يتبع ويؤمن بهكذا عنصرية ويروج لها أو يساهم في نشرها ممّا يتطلب ضرورة التعامل الحاسم معها ومع من يتبناها أما من ناحية الأنواع الأخرى من العنصرية المغايرة لما سبق ذكره فهنالك مثلاً العنصرية الدينية المتمثلة فيما يمكن تسميته بالعنصرية المذهبية أو الطائفية وهذه العنصرية للأسف موجودة عند الكثير من أبناء مجتمعنا من كلا الطائفتين السنية والشيعية والذين لم يتركوا أي مجال للحوار البنّاء بينهما ولم يحاول الكثير منهم التركيز على العوامل الجامعة بينهم بدلاً من التركيز على العوامل التي تفرقهم وتزيد من حدة التوتر المذهبي بينهم والتي غالباً ما يستحضرها كلا الطرفين كلما جد جديد بينهما وهذا النوع من العنصرية تسبب في  إحداث نوع من أنواع الفرقة والانعزال بين أبناء الوطن الواحد وإن كان هذا التأثير ليس ظاهراً بشكله الكبير حتى الآن ولكن هذا لا يعني اطلاقاً أن من مصلحتنا التغاضى عنه وإهمال علاجه وجميع ما تم ذكره من عنصريات يعاني منها مجتمعنا التي تؤكد حقائق التاريخ وتجارب الشعوب والمجتمعات أننا لن نجني من وراء الركض خلفها وتبنيها وتركها دون عقاب إلا المزيد من النفور والتباين فكراً وسلوكاً بين جميع المتأثرين بها الأمر الذي سيجعلها حتماً تقف حائلاً بيننا وبين تنمية وتطوير بلدنا بل وستجعلنا قطعاً لقمة سائغة لكافة أعدائنا المتربصين بنا والذين هم ينتظرون فقط الفرصة المواتية للانقضاض علينا وتمزيق بلدنا والاستيلاء على كافة خيراتنا ومكتسباتنا وهنا أسأل هل فعلاً هذا ما ينتظره هؤلاء المتعنصرون أم أنها فقط الغفلة والسذاجة التي تسيطر عليهم والتي قطعاً ستدمرهم نتائجها وتدمر الجميع معهم في حال استمروا على حالهم الذي نراه اليوم؟.

 

أخيراً إن الإقرار والاعتراف بوجود هذا الواقع المؤسف للعنصرية في مجتمعنا هو في حد ذاته يعتبر الخطوة الأولى في الطريق الصحيح نحو علاج هذه الآفة السلوكية الخطيرة بكافة أنواعها وأشكالها ومن لوازم هذا الاقرار والاعتراف بوجودها ضرورة السعي الحثيث والدؤوب على مجابهتها والقضاء عليها بكافة الوسائل الممكنة من قبلنا جميعاً وفي مقدمتنا صانع القرار الذي من خلاله وحده نستطيع إصدار قوانين كما ذكرت أعلاه تُجرّم ممارسة هذا السلوك وتعمل على تصويب نظرة جميع اطياف المجتمع إلى بعضها البعض أياً كان انتمائهم ومهما عظمت مكانتهم فلقد علمتنا تجاربنا وتجارب غيرنا أن الله غالباً ما ينزع بالسلطان ما لا ينزع بالقرآن كما يقال وأيضاً في هذا السياق هنالك دور كبير يقع على عاتق علماء الدين والدعاة والذي يتمثل في أهمية قيامهم بدورهم الارشادي والتنويري والأهم الديني المعني بمكافحة مثل هذه الآفة وتوعية المجتمع بحجم مخاطرها الدينية ثم مخاطرها الدنيوية بحكم أن للدين وأهله مكانة كبيرة في مجتمعنا وكلمة هؤلاء العلماء والدعاة لها وزنها وثقلها الاجتماعي والاخلاقي ممّا يستوجب عليهم استغلال هذه الإيجابية وتوظيفها التوظيف اللائق بها ولا ننسى أيضاً دور المثقفين الحقيقيين وأهمية إضطلاعهم بدورهم الحيوي والتوعوي الذي يتطلب منهم ولائهم لوطنهم ودينهم أن يمثلوه خير تمثيل وأنا على يقين تام أنه متى ما تظافرت جهود كل هذه الأطراف في حرب هذا الداء العضال فإن ذلك كفيل بإن يخفف من غلواءه وكفيل أيضاً بتحجيمه تحجيمٌ يحمي المجتمع بمختلف شرائحه ويعمل في الوقت نفسه على مساعدة ولي الأمر في تحقيق كافة طموحاته وتطلعاته وكذلك ضمان أمن وسلامة بلاده.

 

كتبه: احمد بني قيس

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق