قرات لكم

الترجمة والمترجم

كتبه: احمد بني قيس

اللغة في تعريفها العام هي عبارة عن وسيلة تواصل تتداولها مختلف المجتمعات البشرية إلا أن تنوع هذه اللغات بينها وكذلك عدم إلمام الغالبية العظمى من أفرادها بها وقف عائقاً أمام عملية التواصل بين أفراد هذه المجتمعات المختلفة ويظهر هذا العائق جلياً حال رغبة أو اضطرار أفراد هذه المجتمعات للاحتكاك ببعضهم البعض الأمر الذي دفع الكثير منهم إلى البحث عن آلية تتكفل بإزالة هذا العائق من جهة ومن جهة أخرى تتكفل أيضاً بتوفير إمكانية درء أية مخاطر قد يسببها غياب هكذا آلية ونحن نجد في تراثنا العربي والاسلامي ما يعزز مثل هذا النظرة كمقولة: “من عرف لغة قوم آمن مكرهم” إلى غيرها من الاستدلالات الداعية لمراعاة مثل هذه المقاصد والأهداف وهذا البحث أوصل البشرية إلى ابتكار ما يسمى بعملية “الترجمة” كآلية تعتمد عليها لتحقيق ما سبق ذكره من مقاصد وأهداف ينشدها أفرادها ويسعون إليها.

والترجمة كما هو معروف تنقسم إلى قسمين إما ترجمة شفوية أو ترجمة تحريرية وهذان القسمان رغم اختلافهما إلا أنهما يُحكمان بالضوابط والمحاذير نفسها وإن ما يغفل عنه الكثير من المترجمين أن الترجمة أصبحت علمًا قائمًا بحد ذاته له قواعده وأصوله، ومن أهم قواعده قاعدتان الأولى تشدد على عدم ممارسة الترجمة الحرفية بين اللغات المختلفة إلا عند الضرورة القصوى لأن ذلك يكون فيه غالباً خطورة بالغة على عملية الترجمة كما أنه يُعد أمرًا معيبًا في حد ذاته حيث إنه يُقلص من فرص منح القائم على الترجمة صفة الإلمام باللغة والقدرة على ترجمتها إضافة إلى أنه قد يُصعّب عملية إيصال الفكرة بشكل واضح دون تشويش على المتلقي أما القاعدة الثانية فهي تشدد على ضرورة مراعاة اختلاف الثقافات اللغوية والحضارية بين المكونات البشرية عند الترجمة بين لغاتها فما يقبل في ثقافة لغة معينة قد يرفض في ثقافة اللغة الأخرى والعكس صحيح.

 

ومن خلال عملي السابق في قطاعين مارست فيهما الترجمة بنوعيها الشفوي والتحريري صادفت الكثير من المواقف المضحكة والخطيرة في نفس الوقت وذلك من خلال اكتشافي لأخطاء لغوية تم الوقوع فيها عند الترجمة، تسببت هذه الأخطاء في أمور كان بالإمكان تجنبها لو بادر المترجم إلى التروي والتثبت من سلامة فهمه لما يريد ترجمته قبل قيامه بالترجمة ومن بين هذه المواقف الكثيرة موقفان لا يزالان عالقان بذهني صادفتهما أثناء عملي في أحد القطاعات الصحية الحكومية كمترجم شفوي الموقف الأول حدث حين قابلني أحد المرضى وسألني قائلًا: أين يمكن أن أشتري سريرًا طبيًا لأن والدي في حاجة ماسة له؟ فاستغربت مثل هذا السؤال لأني وجدت أن والده ليس في حاجة له حين رأيته فسألته عمن قال له ذلك فأجاب بأن إحدى الأخصائيات الغير عربيات هي من وجهت بذلك فتوجهت أنا وهو إليها لأتأكد من ذلك وحين سألتها انزعجت تلك الأخصائية كثيرًا وقالت لي بأن كل ما طلبته من إبن المريض فقط توفير كرسي متحرك لوالده وإن المترجم أخطأ في الترجمة فصححت المعلومة لذلك الشخص الذي غضب وانزعج كثيرًا حينها من حدوث ذلك الخطأ الذي كان سيترتب عليه تكبده دفع تكاليف مادية باهظة لم يكن هنالك أي داعي لها أما الموقف الثاني فكان أثره أشد خطورة من الموقف السابق ويتلخص في أن أحد المترجمين العاملين في ذلك المستشفى بادر إلى إبلاغ مريض بأن حياته في خطر وأن الطبيب يؤكد أنه لم يتبق له في الحياة إلا ما يقارب الأربعة أشهر فقط الأمر الذي سبب لذلك المريض وذويه حالة نفسية سيئة جداً وحين أطلعت على ذلك بمحض الصدفة قمت بالتوجه إلى الطبيب المعالج وحاولت التأكد من صحة هذا الأمر لعلمي بدواخل مثل هذه الأمور الخطرة ومدى حرج التصريح بها فانزعج الطبيب جدًا حين سألته عن ذلك وأفادني بإنه لم يتطرق لمثل هذا الأمر نهائياً وإنما كل ما قاله هو أن على هذا المريض ترك التدخين خلال أربعة أشهر وإلا فإن حالته الصحية سيتفاقم خطرها وليس أنه سيموت عند إنتهائها وهاذين المثالين غيضٌ من فيض مما صادفته خلال عملي في ذلك القطاع، أما في مجال الترجمة التحريرية فقد واجهت القصور ذاته حين انتقلت إلى قطاع حكومي آخر رغم أن القصور الذي واجهته فيه لم يكن يهدد حياة أو جيب أحد إلا أنه تسبب في حدوث معوقات وظيفية وإدارية كان بالإمكان تلافيها لو تأنّى وركز المترجم قليلًا قبل الشروع في الترجمة وفي نفس المجال أيضاً نجد القصور ذاته واضحًا وجليًا في بعض وسائل الإعلام عند لجوئها مثلًا لترجمة الأفلام والمسلسلات الأجنبية ترجمة أحياناً تكون في غاية الركاكة ويستطيع المُلِمّ الجيد باللغة المترجمة اكتشاف مدى تواضعها وأضرب مثالًا على ذلك يتلخص في ترجمة عبارة دينية وردت في أحد الأفلام الأجنبية حين ذكر أحد ممثلي الفيلم عبارة “عزيزي الرب” باللغة الإنجليزية فقام المترجم بترجمتها حرفيًا باللغة العربية كما هي وهنا نجد أن المترجم أرتكب خطأين واضحين أولهما لجوءه للترجمة الحرفية ممّا شوش على الغرض من ذكر العبارة والثاني مخالفته لمراعاة الاختلاف الثقافي في اللغتين عند ترجمة مثل هذه العبارة فصحيح أن تلك العبارة قد لا تُشكل للممثل أي حرج في ثقافته ومجتمعه الغربي ولكنها حين تترجم للعربية تُحدث العكس تماماً حيث نجد فيها نحن المسلمين سوء أدب مع الله عز وجل وكان بإمكان المترجم استبدال تلك العبارة بعبارة أخرى أكثر قبولًا في ثقافتنا الإسلامية كعبارة “يارب” مثلًا كي يخرج المترجم من أي حرج قد تتسبب فيه ترجمته ويُحافظ في نفس الوقت على إيصال الفكرة المراد ترجمتها دون إصابتها بأي خللٍ أو تشويش.

 

ختامًا أقول يجب أن يعلم الجميع وخاصةً المترجمين أن الترجمة أمر حساس جدًا وأمر له ضوابط وأحكام يجب على من يسبر أغواره أن يكون مطلعاً عليها عاملاً بها حتى لا يتسبب في أخطاء قد ينتج عنها تداعيات سلبية لم يكن المترجم يحسب حسابها أو يتعمد التسبب في حدوثها ولعل في الأمثلة سالفة الذكر ما يُبرهن على صحة ذلك.

 

كتبه : احمد بني قيس

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى