الرئيسية مقالات رأي موقف الإسلام من العبودية والرق

موقف الإسلام من العبودية والرق

كتبه كتب في 15 يناير 2021 - 11:58 ص
مقالات رأي مشاركة
احمد بني قيس

ما يجهله الكثير من المعادين للدين عموماً والاسلام خصوصاً أو يحاولون تجاهله أن الرق كان منتشراً قبل الاسلام وبعده وحين جاء الاسلام لم يكن طرفاً وحيداً في هذه الممارسة ولكنه حاول التعامل معها إيجابياً من خلال تجفيف منابعها والدعوة إلى عدم اللجوء إليها بشكل مطلق حيث جعل عتق الرقاب من أفضل الأعمال التي يتقرب بها المسلم لربّه سبحانه حيث قال في محكم تنزيله :” فَإِمَّا مَنًّا بعدُ وإمَّا فِداءً حتَّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزَارَها” والمقصود بالمنّ والفداء هو أن في المنّ دعوة لإطلاق أسرى حروب المسلمين بلا فدية أو مقايضة أما الفداء فهو يعني أن يقوم الأسرى بإستفداء أنفسهم بأنفسهم وذلك بدفعهم قيمة معينة تحررهم من الأسر.

 

وما كان يميز الاسلام عن غيره من الحضارات السابقة والمعاصرة له في هذا الشأن تحديداً أن تلك الحضارات غير الاسلامية كانت تدعوا وتُرغّب أقوامها في استعباد البشر كما يشهد تاريخها بينما الاسلام كان يحث ويُرغّب في الابتعاد عن ممارسة هذا السلوك وتحرير العبيد والمساواة بين البشر دون وجود أي مظهر من مظاهر التفريق بينهم.

 

وللتدليل على ذلك فإن التاريخ يشهد ويؤكد بأن الحضارات البائدة كالحضارة الرومانية والتي كانت نصرانية المعتقد كانت تمارس مع عبيدها ممارسات عديمة الاخلاق وفاقدة لأبسط مفاهيم الانسانية فهي مثلاً كانت تُقدّم عبيدها طعاماً للوحوش في مناسبات يسودها البهجة والسرور ويحرص الكثير من النصارى في تلك الحقبة على حضورها ومشاهدتها والتهليل لها على النقيض تماماً مما كان يفعله المسلمين بمن كانوا عبيداً عندهم.

 

ولإثبات أن الإسلام كان أول من تكلم عن تحرير الرقيق في عصره نجد أن رسول الاسلام محمد صلى الله عليه وسلم كان يدعوا إلى المساواة بين البشر في الحقوق والواجبات وأنهم خُلقوا ليتعارفوا مستشهداً بقول رب العزة  والجلال :”يا أيُّها الناسُ إنَّا خلَقْناكُمْ مِن ذَكَرٍ وأُنثَى وجَعلناكم شُعوبًا وقَبائلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكُمْ عندَ اللهِ أتْقَاكُمْ”.

 

وكان من مظاهر إلغاء الإسلام لمصادر الرق والعبودية ثلاثة مظاهر:

 

١ – رفض الرق والاستعباد عند العجز عن سداد الدين

 

حيث كان هذا المظهر حاضراً عند الرومانيون بكثرة في عزّ حضارتهم بحيث أن أي مديون في مجتمعاتهم يعجز عن سداد دينه يتم استعباده كوسيلة لسداد الدين بينما نجد أن الاسلام حارب هذا المظهر وحثّ على تركه وحرص على التنبيه من الوقوع فيه والدليل على ذلك قول الله سبحانه :”وإن كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ وأن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لكمْ إن كُنتم تَعلَمُونَ”.

 

٢ – محاربة خطف الأشخاص العاديين واستعبادهم

 

كان الخطف في تلك الأزمنة عند النصارى واليهود يُعد مَصدرًا هائلًا للاستعباد حتى عهد قريب والدليل أن الأوروبيون ظلوا يمارسون هذا النهج لقرون في أماكن كأفريقيا وغيرها بكل وحشية وهمجية بينما نجد أن الاسلام كان يحارب ذلك محاربة شديدة تتضح في الحديث القدسي القائل :”قَالَ اللّه: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِه أَجْرَهُ”.

 

٣ – تنظيم وضعية أسرى الحروب والمعارك

 

ومن الثابت تاريخياً أن الأسرى خلال الحروب في ذلك الزمن كانوا أيضاً مصدراً كبيراً لاستعباد البشر الذين كانوا يجهلون في حينه مصيرهم وكيفية خلاصهم ممّا هم فيه إلا أن الفرق في التعامل مع الأسرى بين النصارى واليهود من جهة وبين المسلمين من جهة أخرى كان فرقاً شاسعاً وأكبر دليل على ذلك هو ما آلت إليه مثلاً أحوال أسرى الحربين العالميتين الأولى والثانية والذين نُكل بهم شرّ تنكيل في مناقضة تامة لحال الأسرى عند المسلمين وكيف كان يتم التعامل معهم كما يقوله تاريخ حروبهم ويشهد به.

 

نخلص لنقول أن مبدأ الإسلام الواضح والبيّن في أسلوب تعامله مع العبودية والرق فكراً وممارسة كان في غاية السموّ حيث نجد أنه كان يحثّ على نبذ تلك الممارسة بطرقٍ عدّة ومن بين هذه الطرق الحثّ على عتق الرقاب في تعاليمه كما ذكرت أعلاه أكثر من حثّه على الاستعباد فيها كما يتهمه البعض وهذا النهج هو تماماً ما أظهره موقفه في الحالات الثلاث سالفة الذكر وهذا المبدأ في حد ذاته مبدأ أخلاقي وإنساني يجب أن يعيه ويُقدره الجميع خاصةً المسلمين (عامة وخاصة) ودعوة كل من يشكك منهم في صحّة أن الاسلام دين رحمة وصفح وعفو لا دين تنكيل وتجريم وبطش إلى التأمل مثلاً في قول الله عز وجل حين خاطب نبيّه محمد عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم قائلاً :”وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ” حتى يتأكدوا بأن الاسلام في جوهره دين سامي يهمه الانسان ومصلحته ويهمه أيضاً الحفاظ على إنسانيته وحمايتها لا كما يتهمه زوراً ويروج عنه الكثير من أعداءه والكثير من الدخلاء عليه.

 

كتبه: احمد بني قيس