مساحة الاستقرار ومغبة الاستجرار

الوطن هوية الإنسان، والتقوى معيار التفاضل والكرامة عند الواحد المنان. قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }، و من لاوطن له لا قيمة له يظل غريبا تتجاهله الأوطان ،وتتقاذفه أرصفة التشرد وتنتظره محطات المجهول ؛ تحاصره علامات الاستفهام في كل مكان . لايعرف الاستقرارولا يشعربالأمان، فيما غيره ينعم بخيرات الوطن ويتفيأ ظلاله ، وحب الوطن أمر فطري جُبل عليه كل إنسان .. حتى في رحلات السياحة والاستجمام ورغم طيب المقام ،وروعة الجو والمكان ،وسحرالطبيعة والألوان ؛ يحِن المرء لوطنه ويغالبه الشوق لمجتمعه ويشده الانتماء لعز التوحيد وكرامة العقيدة على أرضه التي ولد في أحضانها و ترعرع على ترابها ، وتشبعت أنفاسه بهوائها وعاش من خيراتها ،ومع هذا لا يشعر بالسكينة والهدوء، فتطويه وحشة الغربة ،ويعلو صوت الحنين للوطن.

لقد أكرمنا الله عز وجل في هذا البلد بأعظم ما يتمناه أي مواطن في العالم ـ ولله الحمد والمنّةـ دولة تُحكم شرع الله وشعب صالح مسالم ،وبقاع طاهرة مباركة وخير عميم ـ ولا تبنى الأحكام على الشواذـ فنحن نتمتع بنعم جليلة فقدتها شعوب كثير فرغد العيش والأمن من أجل النعم، ومن حِكم الله أن جعل من هذا البلد المبارك حصن آمن وأبواب رزق مفتوحة لملايين من البشر من جنسيات مختلفة وأعراق متنوعة وثقافات وأديان متعددة ، ونزع من صدور أهله الحسد ،ورسخ فيها التراحم والمحبة والإيثار ، وقد ورثنا السخاء وحب الخير من قديم الأزل وتممت رسالة المصطفى صلى الله عليه وسلم أخلاقنا وهذبت سلوكنا وعلى النقيض منا بعض الأمم التي تدعي الإسلام وتذيل اسمها بالإسلام والدمقراطية المزيفة وقد قتل الحقد كل معاني الخير في نفوس ساستها وشعبها وبفساد عقيدتها وتثنى معتقدها في أوحال الخزي والخرافات والدجل فضيعت ثروات بلادها في مطابخ المؤامرات القذرة مع المغضوب عليهم والضالين والخونة والخارجين , وأجرتها تغذي حمامات الدم النتنة ، ولا تقدم لقمة لفم جائع ولا ثوب لجسد عارٍ ولا جرعة دواء لمريض ،إلا وسرقت دينه ووطنه وأوقدت به نار فتنة، وكما قال (حسان هذا الزمان) الدكتور / عبد الرحمن العشماوي ـ حفظه الله ـ في هذه الأبيات الوطنية:

قُل لي إذن أنَّ الجزيرة دوحة من تحتها تجري منابع جودِ
وتفيضُ منها للأنام هداية تهدي الصفاء لقلب كلِّ مُريدِ
هي مركزُ الدنيا ومصدرضوئها وهي العمود لجسرها الممدودِ
رُفعتْ مكانتُها بمهبط وحيها وبما حَوَتْ من طارفٍ وتليدِ

وقد منح الله هذا البلد شرف الريادة والقيادة لعالمنا الإسلامي الكبير، وليست بالمهمة السهلة فهي تقتضي العمل بموجبات النجاح لتحقيق أحلام أمة حل بها الضعف والهوان ،وحيكت لها المؤامرات من الداخل والخارج فأعيتهم الحلول ، فجمعوا أمرهم وعقدوا اللواء لراية التوحيد المنصورة بإذن الله تعالى ،ففي عهد الحزم والعزة عهد استعادة الكرامة عهد بناء واستقامة يخنس فيها الشياطين والمرجفون، ويخرس الأفاكون والمتسلقون ،وتسقط العمامة الصفوية ـ بإذن الله تعالى ـ على يد خادم الحرمين المليك الحازم وكما قال الشاعر علي عبدالله الحازمي:

مليكٌ لهُ في القلبِ أوسعُ منزلِ هو الوالدُ المحبوبُ مِنْ كُلِّ شعبهِ
ويسعى إلى العلياءِ دوماً شعارهُ فلا خابَ منْ يسعى و يُرضِي لِربهِ
فيا ربِّ باركهُ وباركْ جهودَهُ ويسِّرْ عسيرِ الأمرِ سهِّلْ لِصعبهِ

رغم الظروف التي تمر بها البلاد استمرت مسيرة البناء والنماء إلا إن نسبة البطالة 11,7% وهذه النسبة للشعب فيها نصيب حيث ثقافة الاستقرار المكاني لازالت تعشش في رؤوسنا ،وتساهم العواطف في ترسيخ هذه الثقافة المعطلة للعمل والكسب ، فالأب يعمل المستحيل ليؤمن لابنه عملا في القطاع العام حتى وان كان لا يرضي طموحه ولا يفي بمتطلباته ،ويسجنه في عمل قليل الفرص محدود الدخل ، واذا كان الأب لا يمانع من العمل خارج المنطقة ظهرت الأم أو أحد الأقارب وضغط على الجميع حتى لو يصل الحال ببقاء الابن عاطلا ، و تمر الأيام بل السنين من عمر الشاب هدرا وهو عالة على مجتمعه ووطنه، وقد امرنا الله عز و جل بالسير في الأرض وطلب الرزق والكسب الحلال فقال تعالى: { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} ويقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ:(ما أكل أحد طعاما قط خير من أن يأكل من عمل يديه ،وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده ـ عليه الصلاة والسلام ـ). الإسلام لم يدع مشكلة إلا ووضع لها حلاً وقدوتنا الحبيب المصطفى،فقد روي أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحابته أجمعين ـ مد يده مسلمًا على الصحابي الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنه فلمس في يده خشونة ، فسأله عن سببها فأخبره أنها من أثر العمل فقَبَّلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : هذه يد يحبها الله ورسوله ولا تمسها النار)،والعمل الشريف منافعه كثير لا تخفى على أحد ،وتأثيره الإيجابي على النفس والبدن والسلوك ،ومردوده المادي على الفرد والأسرة، ونحن نرى ضحايا الفراغ وقد أوردهم المهالك من انتحار وقتل و انحراف فكري وأخلاقي وتعاطي للمخدرات، فقلوبنا تتفطر ألماً على هؤلاء الشباب الذين ضاعوا بسبب إهمال الأسرة، وضعف الرقابة، وغياب القدوة الصالحة .يجب علينا حث الشباب على العمل وطلب الرزق على مساحة هذا الوطن الكبير والعمل بجد وصبر والتركيز على العمل الذي يناسب قدراتهم ولنكن لهم محفزين على بناء مستقبلهم في ثلاث عشرة منطقة على مليوني كيلومتر مربع بين أهلهم وإخوانهم ولا عيب إلا عيب البطالة ، وقال عروة بن ورد:

لا تقْعُدَنّ على ضُرٍّ ومسْـغَـبَةٍ *** لكيْ يُقالَ عزيزُ النّفسِ مُصطَبِرُ
وانظُرْ بعينِكَ هل أرضٌ مُعطّـلةٌ *** منَ النّباتِ كأرضٍ حفّها الشّجَـرُ
فعَدِّ عمّا تُـشـيرُ الأغْـبِـياءُ بـهِ *** فأيُّ فضْلٍ لعودٍ مـا لـهُ ثـمَـرُ
وارْحَلْ رِكابَكَ عن ربْعٍ ظمئتَ به *** إلى الجَنابِ الذي يَهمي بهِ المطَرُ
واستَنزِلِ الرّيَّ من دَرّ السّحابِ فإنْ *** بُلّتْ يَداكَ بهِ فليَهنِكَ الـظّـفَـرُ
وإنْ رُدِدتَ فما في الرّدّ مَنقَـصَةٌ *** عليكَ قد رُدّ موسى قبلُ والخَضِرُ

و الادخار أهم من الكسب ،والاستهلاك المقنن في جميع الاحتياجات ، والاقتصار على الأساسيات والاستغناء عن الكماليات أو بعضها ، وعدم الانجراف خلف المظاهر الزائفة، فنحن نمر بمرحلة اقتصادية متدنية ويمر بها العالم بأسره ،فيحب علينا إعادة النظر في مصروفاتنا والابتعاد عن اغرآت التمويل والقروض ،ولا نصرف ما لا نملك ، كما يجب ترتيب معاملاتنا المالية والنظر في أحوالنا الاقتصادية من جديد ونحدد احتياجاتنا بدقة، وقد أعجبت بنصائح قدمها أحد المدراء التنفيذيين لأحد البنوك، أقتبس منها:

(هذه النصائح ليست للتخويف أو إثارة الهلع فمازال اقتصاد بلادنا بخير لكن لابد أن نكون جاهزين للأسوأ لا سمح الله .. ونظرا للوضع الاقتصادي للسعودية وانهيار أسعار النفط لأقل من 30 دولار .. فقد يكون هناك إجراءات تقشف اكثر قادمه غير ما سبق من رفع الدعم عن الوقود

1. من يملك السيولة فلا بد أن يحتفظ على الأقل منها بنسبة 50% كسيوله والبعد عن استثمارها أو صرفها.

2. الابتعاد عن الاستثمار في الأسهم لانها ستتجه للهبوط وقد نرى أسعار التسعينات وقد نرى المؤشر للسوق من 2500 الى 3000 نقطه خلال أشهر.

3. التريث في شراء العقارات فالأسعار في قمة التضخم وما بعد التضخم الا نكماش

4. تقليل الصرف على الكماليات من أجهزة الكرتونية وجوالات وأدوات تجميل وأغراض وإكسسورات نسائية وخلافه مما يمكن أن تستمر الحياه بدونه.

5. لا حاجة لتغيير سيارتك أو جوالك أو منزلك أو أي شيء تملكه أنت أو أحد أفراد عائلتك.. ما دامت تعمل وحتى لو احتاجت صيانه فتكاليف الصيانة دائما اقل من التغيير والتجديد.

6. لا تضعف أمام رغباتك الشخصية واترك كل ما لا تحتاج.

7. لا تضعف أمام زوجتك أو أطفالك وطلباتهم ورغباتهم وحاول أن تشرح لهم الهدف من التقشف وهو تأمين مستقبلهم بأذن الله وتوفير مبالغ ماليه لحالات الطوارئ.

8. لا تهتم بتعليقات الغير من أقارب أو أصدقاء على اقتصادك وتقشفك أو قدم موديل جوالك أو سيارتك وبيتك.

9. حاول أن تستقطع من راتب ودخلك 5% شهريا كحد ادنى وادخاره للطوارئ.

10. أخيرا لا تحرم مالك ونفسك من البركة بالزكاة والصدقة منه).

نسأل الله أن أن يديم على هذه البلاد الطاهرة أمنها واستقرارها ونعمه التى حباها إياها وأن يحفظ قيادتنا ووطننا وأن ينصر الأسود الأشاوس على الحدود وفي جبهات القتال، وأن يجعلنا جميعا من الشاكرين…..آمين .

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق