اعتذر يا حفيد الحجاج

* استراتيجية التعزيز هي إثابة الطالب على سلوكه السوي, بكلمة طيبة, أو بشاشة على المحيا عند المقابلة, أو الثناء عليه عند زملائه, أو منحه هدية مناسبة, ما يعزز هذا السلوك ويدعمه ويثبته وذلك بتكرار نفس السلوك إذا تكرر الموقف.

* حضرت إلى مدرستي صباح يوم بعد أن استفتحت يومي بدعاء ( اللهم إني أسألك خير ما في هذا اليوم فتحه ونصره ونوره وبركته وهداه) فوجدت المعلمين وكأن على رؤوسهم الطير وكان سبب تلك النفسية الكئيبة –إن جاز التعبير- هو مدير تعليم جدة ومكافأته لطالب متمرد بأن أجلسه على كرسيه وكأنه أجلسه للتصوير فقط, بعد ان مرّغ أنف المعلم باعتذار باهت بلا لون ولا طعم ولا رائحه, في لحظة فقد فيها المعلم السيطرة على نفسه, وكان خلف ذلك مجموعة من الطلاب قاموا بتصوير المشهد وكأنه مبيّت بليل, وبناء على استراتيجية التعزيز فيمكن تفكيك فعل مدير التعليم أنه بمثابة التعزيز المبطن فمتى ما أراد طالب أن يلتقط صور من مكتبه وعلى كرسيه أيضا فما عليه سوى أن يستفز معلمه ويقوم الآخر بالتصوير ووسائل التواصل تتكفل بالباقي.

* لطالما كان الضرب في المدارس من الموضوعات التي أشبعت طرحاً ونقاشاً, ويتعاظم ذلك إذا ما كان الطالب موهوباً, فالموهوبون يتميزون بخصائص عاطفية فارقة عن أقرانهم, وذلك نظير التباين بين عمر الموهوب العقلي والزمني. كما أن الضرب قد يتسبب في كمون الموهبة التي يختزلها أو أن تحيد به عن الجادة السوية كأن يستخدمها بما يضر المجتمع وإلا لا يمكن الجزم أن دور الرعاية والسجون لا تحتوي بين جنباتها الموهوبين. فقد يُفتك بالموهبة بسبب بيئة اجتماعية مثبطة أو الوالدين أو المعلمين ويكون كلهم أو احدهم معول لضمور الموهبة.

* ما أريد أن اصل إليه هي طريقة معالجة مثل هذا الموقف لأنه قد يتكرر مثله والساحة التربوية حُبلى بمثل هذه المشاهد والذي يستصغر من تأثير مثل هذا فهو إما لم يمارس العمل في الميدان التربوي أو أنه نرجسي ولا يصرح بحقيقة يختلجها في قرارة نفسه, فالذي لا يتحمل ابنه وهو في مرحلة المراهقة المبكرة فكيف بمعلم يشرف على مئات الطلاب في نفس المرحلة العمرية ويُطلب منه أن يكون في مزاج انفعالي واحد, هو في النهاية بشر وليس ملك يقع منه ما يقع, ولكن في الغالب ومن واقع تجربة إن أحسن يُتجاهل وإن أساء حضرت الصحف وقنوات التلفزة كما حدث مؤخراً وبشهادة أحد طلاب المدرسة حين قال زارتنا مجموعة من الصحف والقنوات وعلى رأسها سبق وروتانا.

* إن تصرف مدير التعليم يستدعي اعتذار بسرعة (فهد المولد) ولا يحتمل أي تسويف أو مكابرة, البهرجة الإعلامية التي ظهر فيها مدير التعليم استفزت أكثر من نصف مليون معلم ومعلمة ما أشعرهم بالحنق وضياع الهيبة والهوية وما الذي يضمن لهم عدم ترصد الطلاب لهم بعد ذلك إن كانت المكافأة كرسي مدير التعليم! فالمشهد الأخير لمليشيا الطلاب مع معلمهم بأن شكّلوا عصابة للسرقة لهو دليل بأن الطالب ضليع ومشكلة النظام يحمي الطالب أما المعلم في (ستين داهية) وهذه لا أبالغ فيها بعد تجرية تجاوزت العقد من الزمان في الميدان.

* لمن يسأل عن وضع التعليم لدينا فهو مختزل في مثل هذه (الورطة) التي وضعنا بها المدير, تمرد الطلاب وتوجس المعلمين من الفصل أو كفّ اليد عن العمل أو التحويل إلى إداري, وجهل شريحة كبيرة من أولياء الأمور وبعضهم يجهل أدنى أبجديات التربية فهو يعجز عن ترويض ابنه ثم يُلقي بحمله على المدرسة, وإذا ما صدر من المعلم أصغر تجاوز بفعل عوامل خارجه استشاط غضباً وكأن ابنه ناقلة وقود (خطرة وممنوعة الاقتراب) وهو لا يعلم ابنه في أي مرحلة يدرس فضلاً عن فرط تجاوزه تجاه أقرانه ومعلميه. وهنا لا ننتصر للمعلم بقدر ما نُطالب من الوزارة مثل ما سنّت القوانين لحماية الطالب حري بها معاملة المعلم والمربي بالمثل.

* لسنا مع الضرب ولا نقرّه وكذلك الأب حقّه ألا يُضرب ابنه فهو حبة فؤاده ولا يحتمل شكواه من معلم تسلط عليه, لكن ما الذي عملته الوزارة والإدارة ومكاتب الإشراف لحماية المعلم ؟ تربوي مبدع (يُسحب) عليه بينما لو وقعت حادثة ضرب لرأيت مكتب الإشراف مستنفراً ! لماذا ؟ معلم بـ(24) حصة هل يُطلب منه مثلاً أن يكون بنفس الحالة الانفعالية من الحصة الأولى إلى السابعة ؟ ألا يكفي حقه المسلوب وحرمان بعضهم من درجاتهم المستحقة بل ويمطروه بوابل من التعاميم وبعضها تحمل لغة التهديد وكأن المعلم أصغر أبنائها. لا مكافآت ولا حوافز ولا مباني, ارحموا عزيز قومٍ ذلّ, بعد أن كان التعليم شامخاً في عهد الخويطر (كما نقرأ ونسمع) بدأ بعدها العدّ التنازلي ولم يبقَ إلا أن يستعطف المعلم طالبه وولي أمره ويذهب إلى بيوتهم ويقضي حوائجهم !

* ما فعلته يا حفيد الحجاج اهانة تُوجب عليك الاعتذار بنظر شريحة كبيرة من المعلمين والعاملين في الميدان التربوي, ونسألك هنا إن كانت استضافتك للطالب وفق النظام أم أنها اجتهاد شخصي و(طبطبة) للرأي العام, إن كان الاعتذار من شيم الكبار فحري بمن ارتقى هرم التعليم في جدة أن يفعل ذلك, وخذوها نصيحة لا تمتحنوا صبر المعلمين فتأطروهم على أفعال لا يرغبوها بسبب الحنق, ويكون الطالب ضحية نظام وحب الظهور لبعض القيادات كمن يؤثر الإعلام على المعلم, ومثل هذه المواقف تحتاج إلى استراتيجيات مجدولة مسبقاً لا اجتهادات فردية, فالرأي العام عاطفي على الأرجح ومتى ما غلبت ردة الفعل العاطفية على حساب المنطق من قبل المسؤول حضرت العجائب.

للتواصل @mohdaldosi

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق