موهوب وموهوب

الموهبة هي تلك القدرة الاستثنائية التي تجعل من الفرد متميز في مجال أو أكثر من مجالات الحياة, والبيئة بمثابة مفترق طرق في حياة الموهوب فإما ان تكون عوناً للموهوب بالصقل والرعاية وإما أن تكون مثبطة فتطمس معالمها وتذبل أو أن تُوجه إلى المكان الخطأ كأن يستخدم الفرد تلك الإمكانات التي حباها الله إياها بما يضر المجتمع.

واقعنا المُعاصر وبنظرة سريعة لما يُعرض في الإعلام نجد أن الموهبة حُجرت على جوانب الرقص والغناء والترفيه, وهنا أتحدث عن البرامج الجماهيرية ما يسطح بهذا المفهوم وذلك بتبني شبكات إعلامية كبيرة برامج الغرض الغرض منها هدم الأخلاق أو تمرير أجندة وذلك باللعب على وتر إثارة الغرائز, وبالتالي تسويق وربح مادي على حساب الدين والأخلاق ولنا في برنامج ARAB IDOL الذي تعرضه قناة MBC وهو النسخة العربية من برنامج المسابقات الغنائي العالمي POP IDOL الذي اخترعه سيمون فيلر وطورته شركة فريمانتل البريطانية. إذن هو برنامج مستورد وهذا ما جُبلت عليه هذه المجموعة بحيث تكون مسرحاً لكل ما يهدم الأخلاق.

إن ديننا الإسلامي عُني بالموهوبين واكتشافهم وتشجيعهم وذلك لما فيه من خير يعود على المجتمع كافة يقول الله تعالى على لسان موسى حين أمره بالذهاب إلى فرعون (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ) القصص (34). هنا يدرك كليم الله موسى موهبة أخيه هارون وأنه أقدر منه على إيصال الفكرة بأسلوب بليغ يسترعي انتباه المستمعين, يقول ابن كثير شارحاً هذه الآية ( أي اجعله معي معيناً وردءاً ووزيراً يساعدني ويُعينني على أداء رسالتك إليهم, فإنه أفصح مني لساناً وأبلغ بياناً ), حاول موسى أن يُسخر موهبة أخيه هارون لخدمة الدين ونصرة الحق.

يوسف عليه السلام وقصته مع الملك حين انتهى به الأمر أن يستخلصه الملك لنفسه, لماذا ؟ لأنه رأى فيه الأمانة والكفاءة, والقدرة والكفاءة هي في صميم تعريف الموهوب لدى جميع المهتمين بهذا الجانب من علماء الغرب والشرق, فولّاه على أمور الرعية, وهذا ما ينبغي أن نكون عليه في سائر حياتنا وذلك بتقديم الفرصة لكل موهوب في مجال حذاقته حتى لا تخبو هذه الموهبة وتجيًر بما يعود بالنفع على البلاد والعباد, والموهبة تميز الفرد عن أقرانه في مجال أو أكثر من مجالات الحياة, وهنا يقول ابن كثير ( لمّا أحاط الملك علماً بكمال علم يوسف عليه الصلاة والسلام, وتمام عقله ورأيه السديد وفهمه, أمر بإحضاره إلى حضرته ليكون من جملة خاصته ). وقد صدق حدس الملك وثقته بقدرات يوسف وكان بذلك سبباً بعد الله في انقاذ مصر من مجاعة محقّقة.

السنة النبوية والسير حُبلى بالمواقف لموهوبين استرعوا الانتباه وكان لكل موقف بطل فيها, وقد كان المصطفى عليه الصلاة والسلام يشجع الصحابة الذين يرى فيهم القدرات وقد فاقت سنّهم, أدرك رسول الله قدرات زيد بن ثابت الأنصاري وأنها يمكن أن توجه بما ينفع ويخدم الدعوة, فقد حاول أن يجعل زيداً يستغل إمكاناته وطاقاته استغلالاً إيجابياً, فطلب منه تعلم اللغة العبرية, لتكون له بصمة في تاريخ الإسلام. والصحابي أبا محذورة من مستهزئ بالأذان إلى مؤذن بأحسن صوت, ولم يكن ذلك كذلك لولا تنبه النبي صلى الله عليه وسلم لما يمتلكه هذا الفتى من امكانات صوتية متميزة. وموقف آخر يقول فيه الرسول عليه الصلاة والسلام لحسّان بن ثابت (اهجهم أو قال هاجهم وجبريل معك ) صحيح البخاري. هكذا يصقل المصطفى موهبة حسّان.

إن غياب مثل هذه النماذج التي تنقب عن الموهوبين وتوجههم التوجيه الصحيح بأن تستبدل ببرامج مُبتذلة جعلت من الموهبة أداة للكسب المادي والسُعار الأخلاقي لمُلاك قنوات اختطفوا الإعلام وذهبوا به بعيداً بالابتذال لهو تشويه مستقصد من قبلهم لمفهوم الموهبة والمتتبع لما يروجون له وخصوصاً قنوات كـ MBC و LBC وروتانا وبرنامج على سبيل المثال للحصر كأرب آيدول وستار اكاديمي و THE VOICE KIDS يجد ان العامل المشترك بينها جميعاً هو إما صوت أو رقص ما يعصف بمفهوم الموهبة واختزالها في هاتين الخصلتين وما يفاقم الوضع هو ما يتمخض عن هذه البرامج من نماذج لقدوات سيئة وبالتالي تبشير بجيل هزيل مفكك همّه تتبع الموضة لدرجة زاحم فيها الشباب البنات على صوالين التجميل وتسسبوا برفع أسعار المستحضرات لكثرة الطلب, صوت علك ومشية مترنحة تخشى أن يقع في أي لحظة نكسوا فطرتهم السليمة والكلام عن البعض من الجنسين ولا شك أن كل هذا بسبب من حجر مفهوم الموهبة على الرقص والغناء من مُلاك قنوات ورؤساء تحرير لصحف رضوا أن يكون منبراً للترويج لهذا البرامج.

فصلة

عجبي لبعض التجار يدعّي الشرف ويروّج لسلعته في قناة منحطة بل ويشترط أن تكون قبل أو أثناء برنامج المواهب, إن لم يكن مثله يروج لسلعته من بوابة مسحوتة إلى أن جنى السُحت فما هو الكسب الطيب برأيكم ؟

كتبه الدكتور محمد الدوسي

للتواصل @mohdaldosi

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق