عمر والفرعون الفارسي

جغرافيا مختلفة وزمن مختلف وشعوب مختلفة ، لكنه نفس الفرعون بنفس التفكير ونفس الظلم والاستبداد .

لقد تجلى الخوف الذي سكن قلب فرعون مصر قبيل ولادة نبي الله موسى عليه السلام ؛ في مذبحة قاسية تطال اﻷطفال الذكور من بني إسرائيل هدفها قتل موسى و تبديد الكابوس الذي يهدد عرش فرعون ، وأعقبتها مذبحة أخرى في حق بني إسرائيل بعد ظهور موسى عليه السلام وعودته من مدين إلى مصر وتغلبه على سحرة فرعون وإيمانهم به ؛ مذبحة هدفها هذه المرة تخويف بني إسرائيل كيلا يتبعوا موسى “وَقَالَ الْمَلا مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ”

مذبحتان تحملان نفس الجرم ونفس البشاعة ، ولكن خلفهما هدفان مختلفان يستحقان التأمل .. هدفان لم ينفكا عن السياسة الفرعونية .

ومن فرعون مصر إلى فرعون فارس حيث اﻷحواز تلك البلاد العربية التي تسكنها قبائل عربية نزحت من جزيرة العرب ؛ يظهر فرعون فارس .

ففي خلافة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه وصلت الفتوحات الإسلامية إلى أرض العراق لتتوغل في مملكة الفرس يديرها عقل عمر وتسيرها قوة عمر ورجال عمر ، عمر الذي أحاط بتفكير فرعون فارس آنذاك ” الهرمزان” واستخدم معه استراتيجيات عمرية تعلم فارس جيدا أنها أقوى استراتيجيات لمواجهتها في كل زمان .
كان من أهم تلك الاستراتيجيات قطع الطريق على الإمدادات الفارسية بإشغالهم ، فقد كتب عمر بن الخطاب رسالة إلى الصحابي عتبة بن غزوان رضي الله عنهما قال فيها ” إن الله قد فتح على إخوانكم في الحيرة ، وقُتل عظيم الفرس(يقصد رستم ) ، ووطئت خيل المسلمين أرض بابل ، ولستُ آمن أن يمدهم إخوانهم من أهل فارس فإني أريد أن أوجهك إلى الأُبُلّة لتمنع أهل تلك الجيزة من الأهواز وميسان عن إمداد إخوانهم على إخوانكم ، وقاتلهم حتى يفتح الله عليكم ، فسر على بركة الله …”

ومن يتأمل التمدد الفارسي الحالي في لبنان وسوريا والعراق واليمن ، وضعف مقاومته يدرك وجود خلل في سياسة الإشغال وقطع الطريق التي انتهجها عمر رضي الله عنه .

ومن الاستراتيجيات العمرية أن الجيش الإسلامي الذي تحرك من البصرة لفتح الأحواز كان على رأسه أربعة قادة منهم نعيم بن مسعود ونعيم بن مقرن رضي الله عنهما اللذان راسلا أبناء عمومتهم “غالب الوائلي وكليب بن وائل ” وهما من القبائل العربية التي هاجرت إلى منطقة الأحواز قبل الإسلام وعاشت مع الفرس ؛ وكان مفاد الرسالة ” إن المسلمين أتوكم بجيوش لا قبل لكم بها ؛ فأسلموا تسلموا وخذلوا عنا ما استطعتم من الفرس ” وكان لهاتين القبيلتين دور كبير في مساعدة المسلمين على إسقاط الفرس والسيطرة على مدينتي تيري والمناذر ، مما جعل الهرمزان الفارسي ينسحب إلى شرق نهر كارون .

ولا زالت هذه الاستراتيجية المهمة ممكنة بإعادة نفس السيناريو مع إيران الفارسية ومن خلال الأهواز العربية أيضا .

ومن الاستراتيجيات العمرية التي وضعها عمر بكل دقة وتفصيل من المدينة المنورة أن أرسل الصحابي الجليل حرقوص بن زهير السعدي رضي الله عنه على رأس قوة إسلامية من المدينة إلى الأهواز وأمر بتأميره على الجيش ، وأمره إن انتصر على الهرمزان ألا يطارده بل يبقى في “سوق الأحواز” ويرسل الصحابي “جزء بن معاوية” رضي الله عنه لتتبع فلول الفرس وأن يفتح كل المدن في طريقه .

لقد كان عمر وجيش عمر مفاجأة للفرس لم يستيقظوا من سكرتها حتى اليوم ، ولم ينس الفرس أن أولئك المسلمين القادمين من المدينة كانوا يحاصرون قلاعهم المتينة فما أن تستعصي إحداها ويطمئن فرعونهم لمتانة حصونها حتى يأتيه خبر سقوط مدينة أخرى مما يدفع الفرعون الفارسي كل مرة لطلب الصلح مع المسلمين ودفع الجزية .

إذن لا تعجب أيها القارئ من تشكل قصة فرعونية جديدة في بلاد فارس ومع بطل جديد اسمه عمر ، فقد دمر عمر كل قواهم وأساليبهم التي يبنون عليها عرشهم ، فعمر لم يمد جيوشه بالقوة العسكرية القتالية فحسب بل فطن إلى الدنيا وزينتها وملذاتها التي يستخدمها العدو الفارسي لتدمير القوة الإسلامية ، وتأمل في رسالة عمر بن الخطاب إلى عتبة بن غزوان بعد إسقاط الفرعون الفارسي ” وددتُ لو أن بيني وبين فارس سدًّا من نار لا أغزوهم ولا يغزونني بعد الآن .. أَوْقِفوا الانسياح في بلاد فارس ”

لقد دأبت فارس على استخدام الملذات والمال لتمرير مشاريعها وإيهان خصومها بالشهوات والملذات ، لكن عمر الذي تخشاه فارس كان سدا منيعا في طريقها يخشى على جنوده الدنيا أكثر من خشية الموت عليهم .

وسأنقلك أيها القاريء من الأحواز حيث سقط الفرعون الفارسي إلى الأحواز ثانية حيث عاد الفرعون الفارسي بمساعدة بريطانيا للاستيلاء على الأحواز عام 1925م بعد التآمر والغدر برئيسها خزعل بن جابر الكعبي وقتله .

عاد فرعون فارس بعد سنين طويلة دون أن ينسى عمر ليجعل من إجراءات القهر والإذلال التي يسومها الشعب الأحوازي ؛ منع التسمية بأسماء عربية وعلى رأسها عمر ، ومنع تعلم اللغة العربية أو ارتداء الزي العربي …خوف يشبه خوف فرعون مصر من ولادة موسى .. قتل للنفس وقتل للهوية بل وقتل للغة والزي .
ولازال الشعب الأحوازي رغم تجاهل العالم لقضيته يتشبث بهويته العربية .

وكما تربى موسى في بيت فرعون مصر فستمتلئ اﻷحواز بعمريين تربوا في عصر الاستبداد . ومن اللفتات الجميلة تأييد الأحوازيين لمقترح تسمية مضيق هرمز الذي تطل عليه الأحواز العربية المحتلة ؛ “بمضيق عمر الفاروق”، وإيمانهم بأن هذه التسمية هي من ضمن إجراءات مقاومة الاستعمار الفارسي والتفريس الذي لم يتوانى عن تغيير أسماء المدن والموانيء وتحويلها إلى أسماء فارسية ضمن خطة القضاء على الملامح التاريخية والثقافية والديمغرافية العربية على ضفتي الخليج العربي .

ولا زالت المذبحة الفرعونية التي تستهدف إعاقة ميلاد عمر جارية ، تسير بجانبها المذبحة الفرعونية اﻷخرى ..مذبحة تخويف الشعوب من انتهاج النهج العمري واتباع حذو القائد العمري تتجلى في العراق وسوريا حيث تمتد يد فرعون فارس لتقتل على الهوية كل شاب أو طفل يحمل اسم عمر !!
ففي تقرير لصحيفة التايمز البريطانية بعنوان “استهداف السنة في بغداد من جانب فرق الموت” التي تقتل على الهوية ؛ قال مراسل الصحيفة في بغداد ، توم كوغلان : إن اسم الشخص يحمل له حكما بالإعدام في شوارع العاصمة العراقية ، وأضاف أن الاسم الأكثر خطورة هو اسم (عمر)
وأشار كوغلان إلى أنه خلال يومين وصل إلى المشرحة المركزية في بغداد حوالي 41 قتيلا معظمهم قُتلوا برصاصة في الرأس ، وأوضح أن من تم التعرف على هويتهم كانت أسماؤهم تساعد على تفسير سبب قتلهم، فقد كان (عمر) هو الاسم الأكثر شيوعا بينهم ”
ومن يستعرض مقاطع الفيديو والصور التي تُظهر الحقد العجيب على كل شاب أو طفل يحمل اسم عمر وطريقة القتل ؛ سيدرك اللمسة الفرعونية التي تحاول ترهيب الشعب العراقي والسوري تماما كما حاول فرعون ترهيب بني إسرائيل بتقطيع أيديهم وأرجلهم وتعليقهم .

لم يكن الهدف السيادي ليطغى على الهدف الديني للفراعنة .. لم يغب عن ذهن فرعون أن الدين سيكون طريق التمكين لموسى ” وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ ”
ولم يغب عن فرعون فارس أن الدين كان طريقا لسيادة عمر وسيظل طريقا لمنع عودته ، ولم يغب عنه ما فعله فرعون مصر من صبغ هذه المذبحة بصبغة دينية ، فلم تكن الحملات الدينية التي تُوجه رعاع البشر وجهلاء العرب وخونتهم تحت شعار ديني براق هو ” حب آل البيت ” إلا طريقا لتمكين وتمدد الفرعون الفارسي .
وكما حاول فرعون مصر ملأ قلوب الناس حقدا على موسى واتهامه بالسحر والسعي لتفريقهم وإفساد أرضهم ؛ دأب فرعون المجوس يسيّر حشودا من الناس تحت تهم دينية بشعة وجهها لعمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه بالذات ، يقول المستشرق بارؤون في كتابه تاريخ أدبيات إيران :” إن من أسباب عداوة أهل إيران للخليفة عمر بن الخطاب هو أنه فتح العجم وكسر شوكتهم ، غير أنهم أعطوا لعداوته صبغة دينية مذهبية ”
ويقول أيضا ” ليست عداوة إيران وأهلها لأمير المؤمنين عمر الفاروق لأنه غصب حقوق الإمام علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء (كما يدّعون ) .. بل لأنه فتح إيران وقضى على الأسرة الساسانية ”

وليس عجيبا ذلك الإمتداد العاطفي والتاريخي بين قتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه على يد المجوسي الفارسي أبي لؤلؤة الذي طعن أمير المؤمنين وهو يصلي الفجر بالناس ، وبين الفرحة الممتدة منذ ذلك اليوم وحتى الآن بجعل ذلك اليوم عيدا لدى الشيعة ، بل ويمنحونه أسماء عدة بلغت اثنين وسبعين اسما منها يوم الثارات ويوم ندامة الظالم ويوم تنفيس الكربة ويوم فرح الشيعة . لا عجب أن يلعن الشيعة عمر ويترحمون على أبي لؤلؤة المجوسي بل ويعدونه مسلما من أفاضل المسلمين ويسمونه “بابا شجاع الدين ” مع أن أبي لؤلؤة كان مجوسيا كافرا دفعه الحقد على عمر بن الخطاب لقتله انتصارا لوطنه ودينه الذي أطفأ عمر ناره .
يقول عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : “ولهذا تجد الشيعة ينتصرون لأبي لؤلؤة الكافر المجوسي، ومنهم من يقول: اللهم ارض عن أبي لؤلؤة واحشرني معه. ومنهم من يقول في بعض ما يفعله من محاربتهم: واثارات أبي لؤلؤة ”

نعم .. لا زالوا يلعنون عمر ..ويقتلون عمر .. ويمنعون مولد عمر .. وما زال عمر يتربى في عهد قمعهم ، وبالقرب من قصورهم وثكناتهم وأمام حامياتهم .
ربما أدرك الفرس ما لم يدركه المسلمون بعد أن شخصية عمر تحمل مقومات القضاء على ملكهم وأن نارهم المشتعلة اليوم سيطفؤها عمر ، عمر الفرد البسيط ، عمر الطفل الوليد ، عمر الشاب الذي يسير في الشارع ، في حين ينتظر المسلمون عمر القائد فقط ، ينتظرون عمر الحاكم فقط ، وغفلوا عن إيقاظ عمر في كل بيت وفي كل حي … غفلوا عن عمر الذي يدخل اﻹيمان قلبه فتتبدل حياة المسلمين عزا بعد ذلة ، كما قال بعض الصحابة عن عمر بن الخطاب “ما كنا نقدر أن نصلّي عند الكعبة حتى أسلم عمر ، وما زلنا أعِزَّة منذ أسلم عمر”

إنه لمن المؤسف أن الفرس يخشون عودة عمر خشية تفوق أمل بعض المسلمين بعودة عمر ، فعملوا لخوفهم ولم نعمل نحن ﻷملنا ، عملوا لقتل عمر وتقاعسنا نحن عن تربية عمر .

اللهم ارض عن سيدنا وحبيبنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه واحشرنا معه

بقلم / منى الشهري سوط حريري
@munacam

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق