مقالات رأي

هل من حاجة للمنتظم الدولي لدرس كانط في السلم العالمي

توطئة
ها هي نار الحرب و الارهاب اليوم و ليس بالأمس، تكتوي بها كل المجتمعات سواء المتقدمة منها و النامية، لتخلف القتلى و الجرحى و الاشلاء، وفقدان الثقة في المسقبل، ناهيك عن الاحساس بالخطر في كل مكان و زمان. وعليه فان الهدف من هذه التوطئة حول فكرة السلام، التي راودت الانسان منذ غابر الازمان بسبب قدم تجذر العنف في الفرد كاستعداد طبيعي، وما نتج عنه من انواع القتل و مظاهر الحروب المدمرة: هو البحت عن شروط امكان فكر السلام، امام تدهور وضعية الانسانية عامة من جهة الارهاب و الحروب، سيما في عدد من دول الشرق الاوسط، وما تعيشه بشكل يومي من مجازر، قمة في البربرية التي ترتكب بحق المواطنين الآمنين من الاقليات ومن جميع الطوائف والمذاهب، وتدمير المؤسسات وتهجير وتشريد الشعوب في هذه البلدان بشكل ممنهج على جميع الصعد، وانعكاس هذه الهجمة امنيا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا وسياسيا في المنطقة العربية. أما العالم فلازالت ذاكرته التاريخية تتذكر بشاعة حربين عالميتين كانتا سببا في تأسيس عصبة الامم المتحدة لزرع ثقافة السلام، والذي بقي مجرد حلم في الافق لا يتنفس هواء الارض و الواقع الانساني المتردي، فهل السلام خاص بالدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، التي تمتلك العلم، القوة و الثروة؟ اليس من حق الدول السائرة في طريق النمو ان تلقى تشجيعا و توجيها لتلمس الشروط الديمقراطية التي تجعل منها شرطا لعضوية الامم المتحدة؟
فهل منطق الحياد متوفر في موقف السيد بانكي مون؟ وقد اصبح طرفا وقاضيا في النزاع المفتعل ما بين المغرب و الجزائر حول الصحراء المغربية. فهل يحق لنا في المغرب العربي التساؤل من باب الفضول العلمي عن : لماذا يشكل المغرب العربي اليوم مسرحا جديدا للعنف و الحرب بعد سنوات من انهاك مجموعة من الدول في الشرق الاوسط ؟ هل مازالت روح الدرس الكانطي في السلم الدولي حاضرة في افق تفكير المنتظم الدولي؟ هل لنهاية الحرب الباردة تأثير على وظيفتها في تحقيق السلم الدولي ؟ ألم يتأثر به الرئيس الامريكي ويلسون(1) باعتباره مهندس مؤسسة عصبة الامم ؟

مفارقات قيم السلم و السياسة المنتجة للعنف في الساحة الدولية .
يلخص الباحث الايطالي(2) فكرة اساسية مفادها، ان حياة المجتمعات المنظمة تتأرجح بين عالمين، عالم الادخار و تحريم القتل و الثاني عالم القتل المنظم و المدبر وعالم طقوس التدمير والهدم، وبين هذا العالمين تحتل العدوانية مكانا متميزا على مستوى السلوك الفردي و الجماعي. انه السلوك الانساني الذي لا يخفي المد الغريزي المتمثل في سلوك العدوانية، التي لا يمكن ان نجد جوانبها الكاشفة الا في البيولوجيا الزاحفة نحو الحرب من الفرد الى الجماعة. والحال ان الاعلان عن “النظام العالمي الجديد”، قد أشرعن نهاية الحرب الباردة، و الذي تزامن مع اندلاع الحركات القومية، مما ادى الى اختلال التوازن القطبي للقوة، الشيء الذي نتج عنه فراغ ترتب عنه حراك الصراع العرقي في الاتحاد السوفياتي سابقا ودول البلقان، و الملاحظ انه حسب الباحث (3) لم يلق هذا المشكل اي اهتمام كبير من طرف المختصين وكبار الفاعلين السياسين. غير ان انهيار حائط برلين ربما أفقد المؤسسات الدولية مبرر وجودها، كما انها لم تعد مستقلة في احترام سيادة الدول بمقتضى قوانين القانون الدولي، بسبب تدخل لوبيات في توجيه سياساتها، ويظهر جليا في هذه الأثناء فشل الأمم المتحدة حتى الآن في تسوية الأزمة السورية المستمرة منذ أكثر من عامين، إضافة إلى القضية الفلسطينية التي تعبر بشكل صارخ عن تضارب المصالح الدولية منذ أكثر من 65 عاما مع نشوء دولة إسرائيل وعدم تنفيذ قرارات الأمم المتحدة بشأن حل تلك القضية بشكل عادل وبما يضمن حقوق اللاجئين الفلسطينيين(4). ويأتي الفشل الآخر، مع فشل عقوبات الأمم المتحدة المتصاعدة لست سنوات في وقف برنامج طهران النووي، وازدياد احتمالات التدخل العسكري من طرف واحد، في حين تخطو إيران بخطى ثابتة نحو تحقيق ما تصبو إليه، في ظل ازدواجية المعايير في منطقة الشرق الأوسط بعد غض الطرف عن إسرائيل الدولة النووية في الشرق الأوسط منذ الستينات، وفي نفس السياق أكد تقرير يوكيو تاكاسو الذي كان يشغل منصب مندوب اليابان الدائم في الأمم المتحدة، الذي نشرته وكالة الصحافة الفرنسية مقتطفات منه، وجود انحرافات فاضحة وسلوكيات مُشينة لعدد من موظفي الأمم المتحدة، إلى جانب ما يدور في الدهاليز المظلمة من صفقات مشبوهة وتسهيلات للقوى الدولية وتجاوزات للقانون الإنساني.

ازمة التناقض فيما بين المسؤولية الدولية ورهان السلم الاقليمي.
وواقع الحال، يفترض ان تكون وظيفة الامم المتحدة الاساسية، هي الزيادة من كفاءة أنشطتها وعملها من خلال صون السلم والأمن الدوليين،(5) ذلك أن حفظ السلام يمكن المنظمة من التركيز على حل القضايا العالمية عوضا عن إنشغالها في حل النزاعات والصراعات. والمؤسف أن التحديات الماثلة أمام السلم والأمن في المناطق التي ليس للمنظمة فيها حضورا قويا يزيد من الضغط على المنظمة في محاولاتها المضنية لصون السلم؛ أما في المناطق التي للمنظمة فيها وجود كبير، فإنها تواجه زيادة في الهجوم عليها، وتحقيقاً لهذه الغاية تتخذ الهيئة التدابير المشتركة الفعّالة لمنع الأسباب التي تهدد السلم ولإزالتها، وتقمع أعمال العدوان وغيرها من وجوه الإخلال بالسلم، وتتذرّع بالوسائل السلمية، وفقاً لمبادئ العدل والقانون الدولي، لحل المنازعات الدولية التي قد تؤدي إلى الإخلال بالسلم أو لتسويتها. فهل تصدق هذه القيم على تدخل السيد الامين العام في قضية الصحراء المغربية، و التي طبعها التحيز السافر المناقض لروح القانون الدولي الذي يقول عنه الحكم الشهير(6): على ان القانون الدولي، من حيث أنه قانون عام، يسعى الى ضمان، التعايش بين مختلف المصالح التي هي جديرة بالحماية القانونية

 

 

الحالة المغربية.
فهل من المنطقي ان تتزامن ازمة التوثر ما بين المغرب و الامم المتحدة في وقت دقيق من تاريخ تطور ملف قضيتنا الوطنية، و الذي لا يخدم مصالح المغرب في ملف الصحراء؟ لأنها برزت شهرا قبل تقديم الأمين العام للأمم المتحدة تقريره لمجلس الامن الدولي لاتخاذ القرار النهائي في ملف النزاع المفتعل بين المغرب والجزائر اي 30 ابريل 2016. بحيث ان القرينة المادية للفعل المتحيز، الذي ارتكبه السيد الأمين العام للأمم المتحدة، تنم عن فشله الذريع في مهمته المتمثلة في التوصل الى حل متفاوض بشأنه، لقضية الصحراء، طبقا للقرارات الصادرة عن مجلس الأمن منذ 2007 ، بحيث ان استعماله لعبارة “احتلال” في حديثه عن الصحراء المغربية ، يكون قد تجاوز الصلاحيات المخولة له، وافتقد بشكل واضح لواجب الحياد، كما حاد عن التصرف وفقا لقرارات مجلس الأمن التي تنص بشكل واضح على حل متفاوض بشأنه للنزاع. فهل يستحق المغرب هذا التحيز اللامشروع و السافر؟ وهو الدولة الاولى التي اعترفت سياديا باستقلال الولايات المتحدة الاميريكية في سنة في 20 فبراير1778؟ الا يلعب المغرب اليوم دور الدركي في المنطقة لمحاربة الجريمة المنظمة، الهجرة السرية و الارهاب؟ الم يكن المغرب حلقة وصل ما بين اثينا و الغرب المسيحي اللاثيني من خلال فلسفة ابن رشد؟ الم يستقبل المغرب اليهود الاسبان المطرودين من اسبانيا ابان حملات التطهير الصليبي؟ الم يكن قطبا رئيسا في حضارة المتوسط؟ الم يحتضن عناصر و فكر المقاومة الجزائرية ابان حركة التحرر من الاستعمار؟
وعلى اي حال، فالأكيد هو أن قادة الجزائر هم من كانوا وراء تحديد توقيت زيارته للمنطقة، وهم الذين دفعوا الأمين العام للأمم المتحدة التصريح بألفاظ تتعارض والقانون الدولي بهدف إعادة ملف الصحراء للواجهة شهرا قبل قرار مجلس الامن ليوم 30 ابريل 2016، وعلى المغرب ان لا يسقط في فخ الجزائر التي ورطت الأمين العام للأمم المتحدة وتريد توريط المغرب في أزمة مع الأمم المتحدة، و التي لن تخدم إلا الأجندة الجزائرية. فلماذا لم ينتبه الى الوضعية الكارثية لسكان المخيمات و يطالب باحصاء موضوعي لسكانها؟ و بلغة اخرى لماذا تغاضت الامم المتحدة عن تحديد المسؤولية الجنائية للحرب الاهلية، التي يسميها الباحثون بالعشرية الدموية في الجزائر؟ و يتذكر المهتمون بالشأن السياسي الجزائري سنة 1997، التي كانت واحدة من أحلك السنوات في عشرية الحرب الأهلية الجزائر(7)، بحيث عملت عناصر إسلامية مسلحة إسلامية مثل مجموعة (GIA) على تكريس جو من الرعب من خلال مهاجمة شرطة الولاية والمدنيين والمثقفين، ناهيك عن مظاهر التقتيل البشعة وفضائع ذبح مئات الآلاف من الأطفال والنساء دون أن تتحرك الأجهزة الدولية، ولاسيما المنظمات الحقوقية للوقوف على حجم المجازر، التي ارتكبت في حق المدنيين الجزائريين، فكيف بدولة تفتقر إلى مشروعية السلطة السياسية والوفاق المدني والاجتماعي أن تحمي “شعبا” وهميا يريد تقرير مصيره؟ ناهيك عن تقارير اوربية حول التلاعب بالمساعدات الدولية في الجزائر. و في هذا السياق التاريخي المفتقر لروح الوحدة و التضامن الاقليمي، دعا جاك أتالي في افتتاحية من مدونته على الانترنيت الى مغرب عربي موحد، معتبرا أن تفاهم بلدان المغرب العربي أضحى يكتسي أهمية بالغة أكثر من أي وقت مضى، وقال اذا اتحدت بلدان المغرب العربي اقتصاديا وعسكريا، وانخرطت في سوق مشتركة طال انتظارها، ستشكل حتما قوة عالمية حقيقية، مبرزا الامكانيات الهامة للتنمية بهذه المنطقة.

 

 

كانط وشروط امكان السلام الدولي.
وعليه فان فكرة السلام قديمة، حمل لواءها الفلاسفة الرواقيون منذ القرن الثالث قبل الميلاد. حين اهابوا بالانسانية ان تحرر نفسها مما يفرقها بين الانسان و اخيه الانسان من فروق اللغة و الاديان و الاوطان، ونظروا الى الناس جميعا و كانهم اسرة واحدة قانونها العقل و دستورها الاخلاق(8). وبالتالي فان المطلوب اليوم خريطة سلام دولي ضد الفوضى العارمة، الارهاب و انواع الصراعات المفتعلة، وبالتالي فان العودة الى فلسفة كانط في مشروع ” من اجل دائم ” كافق اخلاقي لازال يلقي بضلاله بالرغم من حربائية المنطق السياسي الذي يخفي النوايا و الاغراض الدنيئة المرتبطة بالمصالح المادية، النفوذ و السلطة. بحيث ان المنتظم الدولي نفسه لم يحقق تلك الديمقراطية المثالية ما دام لم يسمح بمشاركة الاغلبية الثي تمثل روح الديمقراطية السياسية . و بالتالي فان الكتيب الكانطي في السلام الدولي سابق لزمانه مدامت فكرة المحكمة الدولية لازالت غير متحققة في الواقع. ذلك ان الافق السياسي الذي تطبعه اليوم عولمة الاقتصاد، المعلوميات، التواصل لا يسري عليه حلم تشكيل حكومة عالمية ، تحكم البشر وفق قوانين ترعى مصالح الجميع، و تحتكم الى قيم العدل و الانصاف و الاخاء. ام شرط تحقيقها فهو مرهون بالمواطنة الكونية التي تفترض القطع مع الامتدادات الوطنية ، الاثنية، العرقية و الجغرافية اي عندما يستحق كل انسان ما يستحقه كل الناس.

وللتذكير فقد كان كانط ملاحظا يقظا، و لم يتحدد موقفه النهائي من الثورة المرادفة للسلم و الحرب الا في ما بعد، على اساس انه مهما تعددت المواقف، فان التفكير في الحرب و السلم لا يمكن فصلهما عن الثورة(9). أي الثورة الفرنسية باعتبارها اعنف ثورة في التاريخ الحديث، و التي تجشمت عناء هدم النظام الابوي وسلطة الاقطاع و الامتيازات و في هذا السياق ابرز طوكفيل من خلال كتابه “النظام القديم و الثورة” ان هدف الثورة هو تذويب كل ما تبقى من مؤسسات العصر الوسيط._ اعتبر ان الهدف من مشروع “من اجل سلام دائم” هو انشاء “حلف بين الشعوب” هو السبيل الوحيد للقضاء على شرور الحرب وويلاتها ، ولعل من نتج عن الثورة الانف ذكرها ، و ما نتج عنها حينئذ من انقضاء عهد السلطة الاستبداية و زوال الحكم المطلق (10) كما انه السبب في توجيه كانط الى النظر بعين التفاؤل بنجاح الثورة هو ما حرضه الى ضرورة تنظيم الشعوب داخليا ، على اساس جمهوري، تمهيدا ضروريا لانشاء جمهورية عالمية شاملة قائمة على فلسفة الحق. فالحق في نظره هو مجموع الشروط التي تلائم بين حريتنا و حرية الغير ، وفقا لناموس شامل للحرية.وعليه فمن العسير ان نتصور حكومة واحدة يكون في استطاعتها ان تحكم العالم باسره. فالانسان مدني بطبعه، وهو دائما عضو في مجتمع ينبغي ألا يكون ذلك المجتمع همجيا او على بداوته الأولى، بل يجب أن ينظم تنظيما يتيح لكل فرد فيه ان يمارس حريته او يحقق غايته الاخلاقية. وذلك المجهود لتحقيق تلك الغاية هو الحرية في صميمها و مبادئ التشريع هي الكفيلة بهذا التنظيم. فهلا يمكن لنا أن نصنع لحظة تعايش بليغة تنتفي فيها تباينات الهوية واللسان، وتذوب فيها اختلافات الأديان والألوان، لينتصر فيها التثاقف والتعايش والتسامح والحوار والسلام والأمان لعل الكبار في هذا العالم يستوعبون رسالة كانط الاخلاقية، ويوسعون لهم حيزا في تفكيرهم لنعيش ونحلم جميعا. و متى يعود ضمير المنتظم الدولي الى رشده الاخلاقي و الاعتباري فيما يخص قضية الصحراء المغربية العادلة لتفادي الاسوء في المنطقة؟
1_Emmanuel kant _ pour la paix pépertuelle_p.8. collection dirigé par Jean- francois balaudé. Livre de poche. 1985.

2_ عنف الانسان و العدوانية الجماعية: فاوستو انطونيني، ترجمة نخلة فريفر، 1989، منشورات، معهد الانماء العربي_ سلسلة الكتب العلمية.
3_ The Nationalism Reader. Omar Dahbour. Micheline Ishah. Humanity Books.1995.

4_ الأمم المتحدة.. إنجازات وإخفاقات | أخبار سكاي نيوز عربية.

5_ موقع الأمم المتحدة : السلم والأمن الدوليين.

6_ – Max Huber as Arbitrator – European Journal of International Law

7_ – la guerre civile en Algérie- _ les archives de la radio télevision suisse_. 1997

8_ مقال في السلم الدولي “كانط” : ترجمه و قدمه، الدكتور عثمان امين، مكتبة الانجلومصرية، 1952.

9_ déjà cité au réfe.num. 1

10 – ALBERT SOBOUL- _la révolution francaise_ p.5. que sais je. Puf_ 1978._

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى