وصفُ الليل في الشعرِ العربي الكاتب

الوصف قديم في الشعر، فقد كان الشعراء يصفون ما يشاهدون من مظاهر الطبيعة ، وشؤون الحياة ، يصفون الصحراء وما فيها من حيوان ونبات ويصفون الخيل والإبل والسلاح والصيد وأدوات الحرب ، والشعر كله وصف ، فالنسيب وصف محاسن المرأة والمدح وصف مآثر الممدوح وصفاته الحميدة ، والهجاء وصف معايب المهجو ، والرثاء وصف مآثر الفقيد ومزاياه ، والحماسة وصف الشجاعة والقوة ، فالوصف قوام الشعر ، وهو الوسيلة التي يستخدمها الشاعر في معالجة الأغراض المختلفة ، وموضوعنا عن وصف الليل في مختلف العصور الأدبية ، ابتداءً من العصر الجاهلي وحتى العصر الحديث .
ففي العصر الجاهلي يقولُ امرؤ القيس :

ولليل كموج البحر أرخى سدوله
علي بأنواع الهموم ليبتلي
**
فقلت له لما تمطى بصلبه
واردف أعجازاً وناء بكلكلِ
**
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي
بصبحٍ وما الإصباح منك بأمثلِ
**
فيالك من ليلٍ كأن نجومه
بأمراس كتانٍ إلى صم جندلِ

الشاعر محزون إذا خلى إلى نفسه في الليل ، فهو يصف ظلامه ويشكو طوله ، ويصوره صوراً مختلفة ، فيشبهه بموج البحر في كثافته وشدة ظلمته ، ويجعل له أستاراً ، ويستعبر لطوله وثقله على نفسه ، فالليل طالع عليه فلم ينعم في جزء منه ، ويناديه سائلاً إياه أن ينكشف عن صبح ، ثم يراجع نفسه مبيناً أن الصبح ليس بأفضل منه ، فهمومه دائمة ليلاً ونهارا ، ثم يعجب الشاعرُ من طول الليل ، ويكني عنه بأن نجومه شدة بحبالٍ متينة إلى جبل (يذبل) وأن الثريا لم تبرح مكانها ، فكأنه علقة بحبال متينة إلى صخور صم .
وفي الأبيات نجد أن الوصف ذاتي مصبوغ بعاطفة الشاعر وهو يشتمل على عدد من الصور، والصور مستمدة من البيئة والحياة الطبيعية في الجزيرة ، فصورة البعير استمدها من حياة العربي التي تقوم على الرحلة والانتقال ، وصورة النجوم والثريا التي لا تبرح مواقفهما صورة سماوية ، وهي مطبوعة بطابع خاص ، ذلك أن الشاعر صور أنها لا تغيب ، وأن الليل باقٍ ممتد ما بقيت .
إن الشاعر في البيت الأول يصف الليل وصفاً غير عادي ، إنه يصوره مثل موج البحر الذي ارخى أستاره على الشاعر لا لكي يسعده ويمتعه ، وإنما ليبتليه بالهموم ، إنه يصور الليل بسواده كأنه أمواج لا تنتهي من الأحزان والهموم وعندما نبحث عن العلاقة الدلالية بين الليل وبين أمواج البحر فإننا سوف نصل إلى النتيجة التالية :
أ ـ الليل يساوي الخوف
ب ـ البحر يساوي الخوف
ج ـ الهموم تساوي الحزن والابتلاء .

 

ومن عصر صدر الإسلام اخترنا هذه الأبيات للشاعر حسان بن ثابت رضي الله عنه ، بعنوان تطاولَ بالجمانِ ليلي فلمْ تكنْ :

تطاولَ بالجمانِ ليلي فلمْ تكن
تهمُّ هوادي نجمهِ أن تصوبا
**
أبيتُ أراعيها كأني موكلٌ
بها لا أُريدُ النّوْمَ حَتّى تَغَيّبَا
**
إذا غارَ منها كوكبٌ بعدَ كوكبٍ
تُرَاقِبُ عَيْني آخِرَ اللَّيلِ كَوْكبا
**
غَوَائرُ تَتْرَى من نجُومٍ تَخَالُها
مَعَ الصّبْحِ تَتْلُوها زَوَاحِفَ لُغبا

في الأبيات السابقة نجد الشاعر حسان بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ يشكو ـ كغيره من الشعراء طول الليل ـ ويقول أنه يرعى نجومه وكأنه موكلٌ بها ومكلف بذلك ، فلا ينوم حتى تتوارى النجوم وتختفي عن الأنظار ، وقد رمز الشاعر إلى طول الليل ببطء اختفاء نجومه ، وذلك كناية عن طول الليل .

ومن العصر الأموي نختار بعض الأبيات التي وصف بها الليل ومنها :
قول الفرزدق :

وَرَكْبٌ كأنَّ الريحَ تطلبُ عندهم
لها ترة منَ حذْبها بالعصائب
**
سَرُوا يخبطون الليل وهي تَلٌفُّهُمْ
على شُعَب الأكوار من كُلِّ جانب
**
يَعُضُّون أطرافَ العصيِّ كأنَّها
تُخَرِّمُ بالأطراف شوكَ العقارب

إذا ما رأوا ناراً يقولون : ليتهاوقد خَصرَتْ أيديهمُ ـ نارُ غالب
يصف الفرزدق ليلاً عاصفاً يلفُّ سائرين في أحشائه المظلمة والريح الباردة تجعلهم يعضون أطراف العُصي من الألم فهي تقرص أطرافهم كلدغ العقارب، وهم يخبطون الليل والريح تخطبهم كأنها تطلب منهم ثاراً فتجعلهم «يقصعِّرون» وقد خصرت أيديهم «تجمدت من برد الليل وريحه الشمالية، فمالوا على رحالهم وقربوا من بعض خوفاً وألماً حتِى إذا لاح لهم في بهيم الليل نارٌ من بعيد تمنوا أنها نار «غالب» جد الفرزدق لشدة كرمه ، والبيت الأخير هو هدف الفرزدق ولكنه جعلنا نظفر بصورة فنية صحراوية ، ليلية، نادرة المثيل .
وقال جرير :

أطال هذا الليلُ لا يجري كواكبه
أم ضل حتى حسبتُ النجمَ حيرانا

في هذه البيت يستفهم الشاعر الذي طال ليله ، ويتساءل هل طال الليل حتى أن الكواكب توقفت عن الحركة فلا تجري ومعها يطول ليله .
وقال بشار بن برد :

خليلي ما بال الدجى ليس يبرحُ
وما لعمود الصبح لا يتوضحُ
**
أضل الطريق المستنير طريقه
أم الدهر ليلٌ كله ليس يبرحُ

في الأبيات السابقة يسألُ الفرزدق خليليه متعجباً من طول ليله ، ولماذا لا يبرح ليطلع الصباح ، ولماذا تأخر الصباح بالطلوع فهل أخطأ طريقه ولم يبصر طريقه المستنير ، أم أن الدهر كله ليلٌ ليس يبرح ، وما دف الشاعر للتساؤل لأنه يشكو من جراح الليل وهمومه وسكونه .
ومن العصر العباسي نختار أبيات في وصف الليل للشاعر العربي أبو الطيب المتنبي ، فله قصيدة يصف فيها الليل وطوله وشعوره نحوه ومعه وشعور الليل إزاء عزمه ، وفيها يقول :

أَعَزمي طال هذا الليل فانظُرْ
أمنكَ الصُّبْحُ يَفْرَقُ أن يَؤوبا ؟
**
كأنَّ الفجَر حبٌّ مُسْتَزارٌ
يُرَاعي من دُجُنَّته الرقيبا
**
كأنَّ نجوَمه حُلْيٌ عليه
وقد حُذيتْ قوائمُهُ الجُبُوَبا
**
كأنَّ الجوَّ قاسى ما أُقاسي
فصار سوداه فيه شُحُوبا
**
كأنَّ دُجَاهُ يجذبُها سُهَادي
فليس تغيبُ إلا أن يغيبا
**
أُقَلِّبُ فيه أَجفاني كأنِّي
أَعُدُّ به على الدهر الذنوبا

فهو قد عزم على أمر خطير إذا ذهب الليل، ولكن الليل لا يريد أن يذهب، فيسأل عَزْمَه : أعزمي طال هذا الليلُ فانظر، أمنْكَ الصبحُ يُفْرَقُ أن يثوبا؟ هل الصباح يخشى منك يا عزمي فهو يخاف أن يخرج؟

ثم يشب الفجر بحبيب يريد زيارة حبيبه ولكنَّهُ يرى رقيباً فلا يخرج! وهذا الليل كأن نجومه خواتم من حُلي لبسها فهي لا تختفي ، «وقد حُذيتْ قوائمُهُ الجبوبا » يشخص الليل في يديه خواتم هي النجوم وفي رجليه حذاء هو الصحراء كلها من رمل ومُتن وسهل وجبل فأثقل عليه هذا الحذاء الضخم فهو لا يتحرك لا يفارق .

وإذا كان الليل يبدو قصيراً بالنسبة للشاعر الذي يعيشه بين أحضان حبيبه ، فإن هذا الليل على العكس يكون طويلاً في ليالي النوى والأسر كحالة الشاعر أبي فراس الذي كان يعاني من وجوده في سجون الروم فيقول :‏

وأسر أقاسيه‏ وليل نجومه
أرى كل شيء غيرهن يزول‏
**

تطول بي الساعات وهي قصيرة‏
وفي كل دهر لا يسرك طول‏

ومن العصر الحديث نختار قصيدة الدجى المشبوه للشاعر عبد الله البردوني ، والتي يقول فيها :
ماذا هنا غير الدجى المشبوه وحشي السكون
وكأن كل دقيقة تبدو ملايين القرون
كل الكواكب لا تدور وكل ثانية حرون
والليل يبتدع التهاويل الغريبات الفنون
في هذه الأبيات نجد أن الشاعر البردوني الذي عرف عنه كثرة الأسئلة في شعره ، يصف الليل بأنه وحشي السكون ، أي أنه لا يوجد سوى ظلام ساكن موحش فيه السأم والملل ، وهنا صورة منتزعة من الوجدان فالدجى مشبوه كإنسان على سبيل الاستعارة المكنية التي توحي بعمق إحساس الشاعر بالظاهر من حوله ، وقد وصف الشاعر الظلام بالمشبوه ليؤكد حقيقة راسخة عنده وهي أن الظلام رمزاً للسوء في حياة الناس وأنه مليء بالشك والريبة ، وفي البيت الثاني يؤكد الشاعر أن الزمن جامد ثابت لا يتحرك فالدقية تمر ببطء كأنها ملايين القرون ، وذلك بسبب سأمه من الزمن ، وقد بالغ الشاعر في وصف الليل المفزع ووطأة الظلام حيث قال أن كل دقيقة تبدو ملايين القرون ، وفي البيت الثالث يذكر الشاعر أنه مع بطء مرور الليل تشعر أن الكواكب لا تتحرك والثانية مستنفرة صعبة قيادتها كالحصان الجامح ، ولعل الجمال الفني في قوله (وكل ثانية حرون ) تشبيه الثانية التي لا تود الحركة بحصان مستنفر صعب الترويض والمهادنة في الليل المهول ، وهي كناية عن صعوبة مرور الوقت وذهاب الليل ، وفي البيت الرابع نجد الشاعر يقول أن الليل بوحشته يبتدع ويخترع ويتفنن بابتداع المخاوف والأهوال ، وقد رمز الشاعر بالليل والظلام إلى السوء الموجود في حياة الناس ، والصورة أن الشاعر جعل من الليل إنسان يخترع المخاوف على سبيل الاستعارة المكنية وهي توحي بعمق إحساس الشاعر بعناصر الطبيعة من حوله .
كما نجد بين شعراء العصر الحديث من تفنن في وصف الليل ، وجعل من الليل مثله الأعلى يناديه ويرسل إليه الشكوى ، ولا يوجد شيء غير الليل أنيس له في وحدته وهيامه ، إنه الشاعر اليمني عبد الله عبد الوهاب نعمان يصف الليل بأن له أذن تصغي إليه ، وذلك بقوله في قصيدة له بعنوان ( الليل والنجم ) :

الليلُ والنجمُ وهمس النسيم
يصغي لأناتي وشوقي الأليم
**
وكلما حولي بحبي عليم
الا الذي قلبي بحبه يهيم

ويظل الليل والقمر ملهمين أساسيين للشاعر ، الليل بهدوئه وسكونه ورومنسيته ، والقمر بجماله وشموخه ، فالموعد مع الليل والقمر هو دائماً الأجمل للشعراء وهذا ما وجدناه في قصيدة أخرى للشاعر عبد الله عبد الوهاب نعمان بعنوان ( تحت جنح الليالي ) يقول فيها :

أذكرك والليالي غامضات النجوم
والسماء مستضيفة ساريات الغيوم
**
والقمر قد توارى في السحائب يعوم
والهواجس بقلبي ساهرة لا تنوم

بهذا النموذج الشعري ، نختم هذا البحث ، سائلين الله عز وجل أن نكون قد وفقنا فيما قمنا به ، والله ولي التوفيق ..

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق