قصة قصيرة بعنوان: (حزنُ العصافير )

على مقربة من باب المدرسة يجلس أحمد تحت شجرة الكافور وعلى وجهه المصفر ترتسم علامات الحزن والأسى وكأن كل حزن الدنيا تجمع في قلبه الصغير ! يا إلهي هنا في بلادي حتى الأطفال لم يتمتعوا بطفولتهم !.

الصباحُ يرسلُ تباشيرَه معلناً بدء يومٍ جديدٍ ، شارعُنا المجاور يكتظ بالمارة من طلابٍ وعمال وباعة متجولين ، الشمس ترسل أشعةً باهتةً لم تستطيع مقاومة السحب المتجمعة ، ومع اختفاء الشمس تزداد سطوةُ البرد وتشتد وطأته .

أحمدُ لايزال في مكانه ُ منزوياً يحدقُ في المارة ، ويرمق زملاءه الداخلين إلى المدرسة بعين يملأها الحزن ، والبرد ينخر عظامه النحيلة التي لم تستطع ملابسه الرثة أن تقيه من سطوته ، كان كل زملاءه يرتدون زيا واحدا ، أما هو فكم مرة أخرجه مدير المدرسة بسبب عدم ارتدائه للزي المدرسي ؛ لذلك فضل البقا أمام المدرسة لأنه إن عاد إلى البيت استقبلته أمه باللعن والشتم ولا يسلم من الضرب .

طابور الصباح لم ينتهي بعد ، أصوات الطلاب تنبعث من ساحة المدرسة كخلية نحل ، في الأثناء التي يتكلم فيها مدير المدرسة عن تسرب الأطفال من المدارس ، انتهى المدير من كلمته وبادر الطلاب بالتصفيق !

أحمد لا يزال جالساً تحت شجرة الكافور بوضعيته تلك لم يتحرك من مكانه ، وإلى جانبه حقيبته القديمة التي اشتراها والده قبل وفاته ، لقد فقدت لونها الأصلي وبدت كأنها خرقة بالية .

أحمد ينظر إلى أحد زملائه الذي مر أمامه ممسكا بيد أبيه ، تسمرت عيناه على وجه زميله لكن خياله طار بعيدا بعيدا وعاد بذاكرته إلى الورى ، وتذكر والده الذي كان يصطحبه صباح كل يوم إلى المدرسة ، انحدرت الدموع على خده ، وكان كل شيء يشارك أحمد حزنه حتى عصافير الصباح توقفت عن تغريدها ، وهبت نسمات باردة داعبت خصلات شعره وكأنها تمسح على رأسه ، أحمد يجر تنهدات متتالية من أعماق نفسه وينفخ في الهواء ويلعن الحرب التي افقدته والده الذي كان له كل شيء في هذه الدنيا .

كان يحلم بأشياء كثيرة .. ولم تكن أحلام هذا الطفل وحده من صارت ضربا من الخيال وسراب خادع ، ولكن على صخرة هذا الزمن القاسي تحطمت أحلام آلاف اليمنين .

كان الطلابُ في ساحةِ المدرسةِ يستعدون لتحية العلم ، ويرددون بحماس وتفاعل نشيدهم الوطني :
رددي أيتها الدنيا نشيدي …

انتهوا من أداء النشيد الوطني وبدأوا بالاستعداد للدخول .

كانت طوابير الطلاب تتجه نحو الفصول الدراسية ، والطلاب يتدافعون وكل طالب يصطدم بزميله .

كان جو المدرسة صامتا يعمه الهدوء بعد دخول الطلاب إلى فصولهم ، ساحة المدرسة أشبه ما تكون بصحراء قاحلة ، عواصف الغبار تطير نحو السماء كخيط دخان كثيف ..

وهناك في الشارع لا يزال أحمد جالساً في مكانه ، لا أدري كيف وقع نضري على صورة ذلك الطالب على الرغم من أن الشارع مليء بالطلاب . ربما ملامحه هي من جذبت نضري إليه ، لكن لماذا هذه الملامح لم تجذب أنضار البقية ، إنهم يمرون أمامه وهم يرونه وهو يبكي ولا أحد يسأله ما بك تبكي ، هكذا هم الناس هنا في بلادنا لوكان هذا الطفل ابناً لأحد المسؤولين للتف الناس حوله هذا يقبله وذاك يمسح على رأسه وآخر يحتضنه ؛ لكنه يتيماً لا أحد سيلتفت إليه .

قررت أن اترك مكاني المفضل في سطح المنزل وأنزل إليه ، علني أسعد ذلك الطفل وأعيد الابتسامة إلى وجهه الطفولي الذي يحمل هم السنين ، اقتربت منه وهو يمسح الدموع من على خده فنظر إلي والتقت عيني بعينه ، بادرته بالسؤال لماذا تبكي لم يجبني فاقتربت منه ومسحت على رأسه لا تبكي يا بطل ، لكنه حنى رأسه إلى الأسفل وراح يخط على الأرض حروفاً غير مفهومة ، وقفت أتأمل ماذا يرسم فبدأت رسمته تتضح شيئاً فشيئاً . رسمةٌ لرجل وإلى جانبه بندقية ، تأملت الرسمة مستغرباً فأيقنت أن الصغار يدركون جيداً من هو عدوهم ، ومن الذي جعلهم ضحايا للحرب يتحملون عبء الحياة صابرين على نار الليالي . الحزن سميرهم والجوع مسكنه في بطونهم ، آه هنا في وطني أطفال تنبت أحلامهم على ضفاف الألم ، و تحت سماء الحزن يتقاسمون شظف العيش ويحتضنهم البؤس والشقاء ، وكأن وجوههم الصغيرة لا تعرف الابتسامة .

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق